إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها

الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

السعادة خير دواء

جهاد الخازن الحياة - 26/07/08
ماذا يُسعد السعودي؟ لا أعرف تحديداً، إلا ان استطلاعاً عن السعادة حول العالم وضع المملكة العربية السعودية في المرتبة 26 من بين 99 دولة شملها الاستطلاع، وتقدمت بذلك على الدول العربية الأخرى في القائمة، وهي: الأردن (57) والمغرب (68) والجزائر (72) ومصر (74) والعراق (93).العراقي أسعد من الزيمبابوي الذي احتل المرتبة الأخيرة، ولا عجب في ذلك، فالتضخم في زيمبابوي بلغ تسعة ملايين في المئة (لا خطأ مطبعياً هنا)، وبيضة الدجاج ثمنها ثمانية ملايين دولار زيمبابوي، وورقة العملة من فئة 50 بليون دولار محلي تعادل ثلث دولار أميركي، أما اليانصيب الوطني فجائزته الكبرى هي 1.2 كوادرليون دولار (زيمبابوي طبعاً لا أميركي) أو أربعة آلاف دولار أميركي. وقرأت في القاموس أن كوادرليون هو واحد وبعده 24 صفراً، وهو في بريطانيا وألمانيا، أما في بقية العالم فالكلمة سبتليون، إلا أنها تتألف من واحد في أميركا وفرنسا يتبعه 15 صفراً فقط.الدراسة التي أجرتها جامعة ميشيغان تحت إشراف البروفسور رون انغلهارت سبقت زيادة أسعار النفط، فلا أعتقد بأنها وراء سعادة السعودي، كما سبقت زيادة أسعار المواد الغذائية التالية، فلعل مرتبة المصري كانت هبطت على سلّم السعادة لو أُجري استفتاء آخر غداً.أسعد أهل الأرض هم في الدنمارك، والسعودية متأخرة عن أميركا (16) وبريطانيا (21)، إلا أنها أسعد من البرازيل (30) والأرجنتين (32) وألمانيا (35).ماذا يُسعد القارئ؟ بانتظار جوابه أقول إنه يسعدني أن أكون بليونيراً يحسده بيل غيتس ووارن بافيت على ثروته، إلا أنني أعتقد بأن تحقيقي هذه الأمنية مستحيل إلا إذا هاجرت الى زيمبابوي، غير أن النتيجة ليست مضمونة، فالبطالة هناك 80 في المئة.كنت قبل سنوات أتابع في الصحف الإنكليزية اللغة رسماً كاريكاتورياً على عمود واحد عنوانه «السعادة هي...» والرسم يمثل بقية العبارة ذلك اليوم، فقد تكون «قدمان أمام المدفأة في الشتاء»، وقد تكون «العثور على قرط حلق ضائع».وقرأت أخيراً تفاصيل دراسة أجرتها كلية الصحة العامة في جامعة لندن وقررت أن «السعادة خير دواء»، مع انني كنت صغيراً أقرأ في مجلة «ريدرز دايجست» (المختار) زاوية بعنوان «الضحك خير دواء»، ولعلهما شيء واحد فالإنسان لا يضحك إلا إذا كان سعيداً... أو مجنوناً. وربما قلبت الموضوع فقلت إن التعاسة هي الرغبة في الأشياء، وعدم الحصول عليها، فهذا في أساس تعاليم البوذية، وأقول: مبارك الذي لا يريد شيئاً لأن أمله لن يخيب.طبعاً، هناك أشياء يشترك فيها أكثر الناس كسبب للسعادة، مثل المال، وربما أن تقول امرأة ان سعادتها في أن تخسر عشرة كيلوغرامات من وزنها، أو يقول رجل ان سعادته في أن يحصل على ترقية في العمل.سألت صديقاً ماذا يجعله سعيداً؟ وفكر وقال: دولة فلسطينية، وقلت إنه لا يبدو لي أنه سيسعد قريباً، وسألته عن شيء آخر فقال: سندويش فلافل آكله في جنينة الصنايع. وهو كان يشير الى سنوات المراهقة، عندما كنا نستأجر دراجات نارية صغيرة قرب الحديقة هذه في بيروت، ثم نشتري سندويش فلافل بربع ليرة، وزجاجة كازوزة جلول، ونذهب الى الحديقة.السعادة هي أن تقوم بعمل تعرفه وتحبه، هي عطلة نهاية الأسبوع، أو العطلة السنوية، الابن البكر، دخول بنتك الجامعة، تخرجها، زواجها، أن ترزق البنت بأولاد (ما أعز من الولد إلا ولد الولد)، بطيخة صيفي... في الصيف وحمراء، بوظة مشكّلة بنكهة الشوكولا والكرز والمانغو، نهاية نوبة زكام، النجاح في الفحص الطبي السنوي، شراب جوافا مثلج، فنجان قهوة الصباح، فنجان قهوة مع حب الهال، رائحة الجلد في سيارة جديدة، السير على شاطئ البحر في أمسية مقمرة، يدان متشابكتان، بطيخ أحمر (أعرف انني طلبته من قبل، غير انني أحب البطيخ الأحمر)، ألوان زهر الربيع، ألوان ورق الخريف، ربيع العمر... ألاّ تقرأ الأخبار العربية...السعادة حيّرت الفلاسفة، من الذين سبقوا سقراط وحتى اليوم. وأرى أن قصيدة ابن سيناء العينية المشهورة كانت في السعادة لا النفس، على رغم إصرار أساتذتي على أن الشيخ الرئيس أراد إثبات النفس كجوهر روحاني مغاير للبدن. ربما كان كذلك إلا أن قوله: هبطت إليك من المحل الأرفع/ ورقاء ذات تعزز وتمنّع، ينطبق على السعادة أيضاً.أسعد الله أوقات القراء جميعاً.