إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2008

لماذا يُذبحون ونستكينُ *** ولا أحد يردُ ولا يبينُ
أللإسلام نسبتنا وهذا *** دمُ الإسلام أرخصُ ما يكونُ

فتوى في بيان بشأن الضابط المصري القتيل



بسم الله الرحمن الرحيم
فتوى في بيان بشأن الضابط المصري القتيل

صادر عن جبهة علماء الازهرإلى الضابط المصري البائس الذي ذهب في حظِّ سايكس بيكو وطاعة غير الله لقد آلمنا أن يذهب مثلُكَ في طاعة غير الله بعد أن رفعت سلاحك في وجه شقيقك الفلسطيني الذي آوى إليك فرارا مما يلقى من عدوك وعدوه، على رجاء أن يجد منك ما كان يلقاه من أمثالك الغياري على شرف العروبة وعز الإسلام فإذا بك تشهر السلاح في وجهه فتقتله وأنت له ظالم طاعة لأوامر جائرة، وتعليمات فاجرة، فرخص دمُك، لأنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة في المعصية" وضاعت في الضلال حياتك، لأنك لاَعنْ عروبة كنت مدافعا،ولا لدين كنت عاملا، "والمسلم أخو المسلم، لايظلمه ولايخذله، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمه، وعرضه، وماله"، قتلت أخاك على حقه فذهب شهيدا، لأنَّ من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد" ثم قُتِلْتَ أنت في غايةٍ رخيصة، هي الدفاع عن حدود وضع خطوطها الكافرون، الذين قسَّموا أرضنا بما عرف بالمجرمين سايكس بيكو، لينفردوا بنا واحدا بعد الآخر، وأرضنا في دين الله واحدة، فإذا بك تسقط فيما سقط فيه ساسة الحزب الذين حادوا الله ورسوله، فاستجاروا بأعدائهم من أوليائهم وإخوانهم،فذهبت حياتك في غير شرف، وقُتِلت قَتْلَ الصائل، فقد أخرج النسائي واحمد بسند صحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله ،أرايتَ إنْ عُدِىَ على مالي؟ قال: "َانْشُدِ الله"، قال: فإن أَبواْ عليَّ؟ قال "انشُدِ الله"، قال: فإن أبوْا عليَّ، قال:"فانشُدِ الله"،قال :فإن أبوا عليَّ؟ قال صلى الله عليه وسلم" فقاتل، فإن قُتِلتَ ففي الجنة، وإن قَََتلْتَ ففي النار".وعليه :فإننا نُحذِّر كّلَّ جنديٍّ وضابط من جنود مصر أن يخسروا شرفهم الفريد بأن يندفعوا في إطاعة الأوامر الصادرة إليهم بغير أن يعرضوها على دينهم وقلوبهم ،فإنه لاطاعة في المعصية، وليست حياة واحدٍ منكم بأغلى من حياة إخوانكم المستضعفين وغير المستضعفين الفلسطينيين، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" وحتى لاتخسروا الدنيا والآخرة. وإلى الموظفين من بعض الشيوخ الذين لايزالون يلزمون جانب الصمت، ويخرصون خرص القبور، فرضوا لعمائمهم أن تكون على أصنام، إنَّ سِمَنَ الكيس ونُبْلَ الذِّكرِ لا يجتمعان.وإلى دهاقين السياسة في مصر وغيرها :مانال باذلٌ وجَهَهُ بسؤاله عِوَضاً ،ولو نالَ الغِنى بسؤالهصدرعن الجبهة في غرة المحرم 1430هـ الموافق 29ديسمبر2008م.
جبهة علماء الازهر

الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

الشتاء ...


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: في هذه الأيّام يتردد على أسماعنا الحديث عن الشتاء، بل ونحسه ونستشعره استشعاراً، فنشتاق إلى لياليه، وننتظر أيامه. وقد نكون الآن ممّن يعيشه. ولذا لنا مع هذا الفصل وقفات لعلَّ الله عز وجل يفتح لها القلوب: الوقفة الأولى: تأمل وتفكر إنّ أحسن ما اتفقت فيه الأنفاس التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمّة به دون شيء من مخلوقاته. وكم لله من آياته في كل ما يقع الحس عليه، ويبصره العباد، وما لا يبصرونه، تفنى الأعمار دون الإحاطة بها وبجميع تفاصيلها. لكن تأمل معي هذه الحكمة البالغة في الحر والبرد، وقيام الحيوان والنبات عليهما. وفكر في دخول أحدهما على الآخر بالتدريج والمهلة حتى يبلغ نهايته. ولو دخل عليه مفاجأة لأضنَّ ذلك بالأبدان وأهلكها، وبالنبات، كما خرج الرجل من حمام مفرط الحرارة إلى مكان مفرط البرودة، ولولا العناية والحكمة والرحمة والإحسان لما كان ذلك، فهل من متأمل ومتفكر؟! الوقفة الثانية: آيات الله في الشتاء 1 - الصواعق: قال تعالى: {وَيُرسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُم يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ المِحَالِ} [الرعد:13]. وقد جاء في سبب نزولها أنّ رجلاً من عظماء الجاهلية جادل في الله تعالى فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيش ربّك الذي تدعوني إليه؟ من حديد هو؟ من نحاس هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟ فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه وأحرقته. 2 - الرعد والبرق: عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: «ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله». قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر». قالوا: صدقت. [السلسلة الصحيحة للألباني:1872]. 3 - المطر والبرد: قال تعالى: {أًلَمَ تَرَ أَنَ اللهَ يُزجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ ثُمَّ يَجعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدقَ يَخرُجُ مِن خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنَ يَشَاءُ وَيَصرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرقِهِ يَذهَبُ بِالأَ بصَارِ} [النور:43]. الوقفة الثالثة: شكوى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتكت النّار إلى ربّها فقالت: يا رب. أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدون من الحر من سمومها» [رواه البخاري ومسلم]. فتذكر يا أخي شدة زمهرير جهنّم بشدة البرد القارس في الدنيا، وإنّ ربط المشاهد الدنيوية بالآخرة ليزيد المرء إيماناً على إيمانه. يقول أحد الزهاد: "ما رأيت الثلج يتساقط إلاّ تذكرت تطاير الصحف في يوم الحشر والنشر". الوقفة الرابعة: التوحيد في الشتاء يكثر في هذه الأيّام من بعض المسلمين نسبة المطر إلى الأنواء (منازل القمر) وهذه النسبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1 - نسبة إيجاد: أي أنّها هي الفاعلة المُنزلة للمطر بنفسها دون الله وهذا شرك أكبر مخرج من الملة الإسلامية. 2 - نسبة سبب: أي أن يجعل هذه الأنواء سبباً مع اعتقاده أنّ الله هو الخالق الفاعل، وهذا شرك أصغر؛ لأنّ كل من جعل سبباً لم يجعله الله سبباً لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركاً أصغر. 3 - نسبة وقت: وهذه جائزة بأن يريد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي جاءنا المطر في هذا النوع أي في وقته، لهذا قال العلماء: "يحرم أن يقول مطرنا بنوء كذا، ويجوز مطرنا في نوء كذا". والأفضل من هذا أن يقول العبد كما جاء في الحديث: «مطرنا بفضل الله ورحمته». الوقفة الخامسة: الشتاء وعمر الإنسان بإدراكنا هذا الشتاء يكون قد مضى وانصرم من أعمارنا عاماً كاملاً سيكون شاهداً لنا أو شاهداً علينا. والمؤمن يقف مع نفسه وقفة صادقة ويقول لها: إنّما هي ثلاثة أيّام. قد مضى أمسٌ بما فيه. وغداً أملٌ لعلك لا تدركه. إنّك إن كنت من أهل غد فإنّ غداً يجيء برزقه. ودون غد يوماً وليلة تخرم فيه أنفاس كثيرة. لعلك المخترم فيها كفى كل يوم همُّه. ثمّ قد حملت على قلبك الضعيف همّ السنين والأزمة، وهمَّ الغلاء والرخص وهمَّ الشتاء قبل أن يجيء الشتاء، وهمَّ الصيف قبل أن يجيء الصيف فماذا أبقيت من قلبك الضعيف لآخرته؟ كل يوم ينقص من أجلك وأنت لا تحزن. مضى الدهر والأيّام والذنب حاصل *** وجاء رسول الموت والقلب غافل نعيمك في الدنيا غرور وحسرة *** وعيشك في الدنيا محال وباطل الوقفة السادسة: الجسد الواحد أحدهم يقسم بالله العظيم أنّ عنده جدّتين لأمه وأبيه تنامان في لحاف واحد من شدة البرد. أخي الحبيب: إنّ هذا الفصل نعيشه ويعيشه معنا أناس يستقبلون قبلتنا، ويصلون صلاتنا، ويحجون حجنا فلهم حق. إنّ هذا الفصل وما يمر علينا فيه من الشدائد هنا وهنا فقط، لابد وأن نستشعر جميعاً أنّ هناك من هو أحوج بالرأفة والمساعدة منّا، لابد أن نتذكر أولئك الذين لامس بل اخترق بردُ الزمهرير عظامهم. إنّ هناك مسلمون لا يحلم بل لا يتصور أحدهم وإن شئت فقل لا يتوقع في الحسبان أن يصل إليه ثوب قد جعلته أنت ممّا فضل من ثيابك وملابسك. أخي في الله: قل لي بربّك كم يملك أحدنا من ثوب؟ وكم يُفصِّل أحدنا من ثوب؟ وكم.. وكم.. وكم..؟ خير كثير كثير. ونِعَمٌ لا تحصى.. ولكن أين العمل؟ إلى الله المشتكى فلا تحقرن صغيرة إنّ الجبال من الحصى. فهيا أخي امضِ وتصدق ولو بشيء يسير، فربّما يكون في نظرك حقير وعند ذلك الفقير المحتاج كبير وعظيم. الوقفة السابعة: من أحكام الطهارة في الشتاء 1- ماء المطر طهور: يرفع الحدث ويزيل الخبث قال تعالى: {وَأَنَزَلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} [الفرقان:48]. 2- إسباغ الوضوء في البرد كفارة للذنوب والخطايا: والإسباغ مأمور به شرعاً عند كل وضوء. 3- يكثر في فصل الشتاء الوَحَلُ والطين فتصاب الثياب به ممّا قد يُشكِل حكم ذلك على البعض. فالجواب: أنّه لا يجب غسل ما أصاب الثوب من هذا الطين؛ لأنّ الأصل فيه الطهارة. وقد كان جماعة من التابعين يخوضون الماء والطين في المطر ثم يدخلو المسجد فيُصلون. لكن ينبغي مراعاة المحافظة على نظافة فُرش المسجد في زماننا هذا. 4- يكثر في الشتاء لبس النّاس للجوارب والخفاف ومن رحمة الله بعباده أن أجاز المسح عليهما إذا لُبسا على طهارة وسترا محل الفرض، للمقيم يوماً وليلة - أي أربعاً وعشرين ساعة - وللمسافر ثلاثة أيّام بلياليهن - أي اثنتان وسبعون ساعة - وتبدأ المدة من أول مسح بعد اللبس على الصحيح وإن لم يسبقه حدث بأن يمسح أكثر أعلى الخف فيضع يده على مقدمته ثمّ يمسح إلى ساقه، ولا يجرى مسح أسفل الخف والجورب وعقبه، ولا يُسن. ومن لبس جورباً أو خفاً ثمّ لبس عليه آخر قبل أن يحدث فله مسح أيّهما شاء. وإذا لبس جورباً أو خُفاً ثمّ أحدث ثمّ لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ فالحكم للأول. وإذا لبس خُفاً أو جورباً ثمّ أحدث ومسحه ثمّ لبس عليه آخر فله مسح الثاني على القول الصحيح. ويكون ابتداء المدة من مسح الأول. وإذا لبس خُفاً على خُف أو جورباً على جورب ومسح الأعلى ثمّ خلعه فله المسح بقية المدة حتى تنتهي على الأسفل. 5 - من مخالفات الطهارة في الشتاء: أ - بعض النّاس لا يسبغون الوضوء لشدة البرد بل لا يأتون بالقدر الواجب حتى إنّ بعضهم يكاد يمسح مسحاً. وهذا لا يجوز ولا ينبغي. ب - بعض النّاس لا يسفرون أكمامهم عند غسل اليدين فسراً كاملاً - أي يكشفون عن موضع الغسل كشفاً تاماً - وهذا يؤدي إلى أن يتركوا شيئاً من الذراع بلا غسل، والوضوء معه غير صحيح. ج - بعض النّاس يُحرَجُون من تسخين الماء للوضوء وليس معهم أدنى دليل شرعي على ذلك. الوقفة الثامنة: من أحكام الصلاة في الشتاء 1 - الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما سنة إذا وجد سببه وهي المشقة في الشتاء، من مطر أو وحلٍ أو ريح شديدة باردة، وهي رخصة من الله عز وجل والله يحب أن تؤتى رخصه. وتفصيل أحكام الجمع مبسوطة في المطولات. 2 - من مخالفات الصلاة في الشتاء: أ - التلثم: صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه. فينبغي للمسلم إذا دخل المسجد أن يحل اللثام عن فمه، ولا بأس أن يغطي فمه أثناء التثاؤب في الصلاة ثمّ ينزع بعده. بل هو المشروع سواءً أكان باليد أم بشيء آخر. ب - الصلاة إلى النّار: يكثر في الشتاء وضع المدافئ في المساجد أو في البيوت وتكون أحياناً في قبلة المصلين. وهذا ممّا نص أهل العلم على كراهته لأنّ فيه تشبهاً بالمجوس، وإن كان المصلي لا يقصد ذلك ولكن سداً لكل طريق يؤدي للشرك ومشابهة المشركين. 3 - الصلاة على الراحلة أو في السيارة: جائزة خشية الضرر إذا خاف الضرر وإذا خاف خروج وقتها وهي ممّا لا يجمع مع غيرها في الشتاء. قال ابن قدامة في المغني: "وإن تضرر في السجود وخاف من تلوث يديه وثيابه بالطين والبلل فله الصلاة على دابته ويؤمئ بالسجود". الوقفة التاسعة: الدعاء في الشتاء 1 - عند رؤية الريح: ((اللّهم إنّي أسألك خيرها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به)). 2 - عند رؤية السحاب: ((اللّهم إنّي أعوذ بك من شرها)). 3 - عند رؤية المطر: ((اللّهم صيباً هيئاً)) أو ((اللّهم صيباً نافعاً)) أو ((رحمة)) ويستحب للعبد أن يكثر من الدعاء عند نزول المطر لأنّه من المواطن التي تطلب إجابة الدعاء عنده، كما في الحديث الذي حسنه الألباني في الصحيح [1469]. 4 - إذا كثر المطر وخيف منه الضرر: قال: ((اللّهم حوالينا ولا علينا، اللّهم على الآكام والظرب وبطون الأودية ومنابت الشجر)). فائدة: يستحب للمؤمن عند أول المطر أن يكشف عن شيء من بدنه حتى يصيبه (لأنّه حديث عهد بربّه) هكذا فعل النبي وعلل له. الوقفة العاشرة: النّار في الشتاء ينبغي للمؤمن أن يحذر في الشتاء وغيره من إبقاء المدافىء بأنواعها مشتعلة حالة النوم لما في ذلك من خطر الاحتراق، أو الاختناق. جاء في البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ هذه النّار إنّما هي عدو لكم فإذا نمتم فاطفئوها عنكم» وفي رواية: «لا تتركوا النّار في بيوتكم حين تنامون» والسلامة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم. الوقفة الحادية عشرة: فرح السلف بالشتاء قال عمر رضي الله عنه: "الشتاء غنيمة العابدين". وقال ابن مسعود: "مرحباً بالشتاء تتنزل فيه البركة ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام". وقال الحسن: "نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه". ولذا بكى المجتهدون على التفريط - إن فرطوا - في ليالي الشتاء بعدم القيام، وفي نهاره بعدم الصيام. ورحم الله معضداً حيث قال: "لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولذاذة التهجد بكتاب الله ما باليت أن أكون يعسوباً". هذا خبر من قبلنا، أمّا خبر أهل زماننا فنسأل الله أن يصلح الأحوال؛ تضييع للفرائض والواجبات، واجتراء على حدود ربّ الأرض والسموات، وسهرٍ على ما يغضب الله، ويظلم القلب، ويطفىء نور الإيمان. فيا إخوتاه... جدّوا في طلب مرضاة الرحمن في ليال الشتاء الطوال وفي غيرها.. وأكثروا من صيام نهاره. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة»، إيه وربّي إنّها لغنيمة فأين المشمرون المخلصون؟! الوقفة الثانية عشر: أحاديث ضعيفة في الشتاء تتردد على ألسنة بعض النّاس من العامة، ومن أهل الصحافة - ممّن يلبسون ثوب العلم الشرعي فيفتون فيُضلَّون ويضلُّون - أحاديث ضعيفة بل باطلة سنداً ومعنى ومتناً وإن كان منها ما معناه صحيح لكن لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنها: 1 - (الشتاء ربيع المؤمن). 2 - (أصل كل داء البرد). 3 - (إنّ الملائكة لتفرح بذهاب الشتاء لما يكون على الفقراء من الشدة والبلاء). 4 - (اتقوا البرد فإنّه قتل أخاكم أبا الدرداء). 5 - (قلوب بني آدم تلين في الشتاء وذلك أن الله خلق آدم من طين، والطين يلين في الشتاء). أسأل الله عز وجل في ختام هذه الوقفات التي هي بعدد شهور السنة أن يشرح قلوبنا للإيمان وأن يستعملنا في طاعته. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين زاهر بن محمد الشهري

الأربعاء، 29 أكتوبر 2008

بيان تحذيري من جبهة علماء الأزهر بحق الهازلين من بعض أبنائه في مواطن الجد


يقول الحق جل جلاله (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) (التوبة:65) نعوذ بالله من الخذلان.
ليس بخاف على أحد ما تمثله العقيدة لأصحابها من قدر ومكانة تُسْترَخص فيها الأرواح وتبذل لها الدماء ويضحى في سبيلها بكل مرتخص وغال.
ومثل هذا الأمر لا يغيب على رجل في حجم فضيلة الشيخ جمال قطب الذي قدمت له صحيفة الأمة المصرية بأنه استقال من رئاسة لجنة الفتوى بالأزهر لأنه لم يحتمل الجو الذي يشيع به الآن- العدد 409 في 13 /10/2008م، لكنه مع هذا قد ختم للأسف الأسيف حديثه إليها بما لا يُقبل دينا ولا يعذر فيه قدرا ولا يليق منه عرفا، حيث أجاب على سؤال وجه إليه منها بغير جواب ولا هدى ولا كتاب منير، فقد سئل سيادته: هل هناك مد شيعي في مصر أو المنطقة العربية؟ فقال غير مجيب " مبتسما ... لا أرى فرقا بين السنة والشيعة أكثر من الفرق بين الأهلي والزمالك" وإلى الآن لم يزل السؤال قائما، ثم أنهى حديثه غير الموفق بقوله" منذ عشر سنوات أرفض بناء المساجد في القاهرة والمدن الكبرى لأنها أصبحت زائدة عن الحاجة، وأوجه من يسألني إلى المستشفيات والمدارس" وكأن المساجد في حسبانه ليست مدارس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" وهو حديث من أصح ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحدد فيه للمسجد مدينة ولا غيرها ،فالحاجة إلى المساجد وبنائها وتعميرها لا توقفها رغبة جامحة، ولا نزوة من شيخ شاردة وقد قال تعالى والشيخ يعلم ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار)، فلو أنَّ لكل مبنى من مباني قاهرته التي يضن عليها بمساجدها التي يرى فيها غير ما يرى الهداة المهتدون الغاية مسجدا يقوم بدوره له في إعداد أهله وتنشئتهم التنشئة المستقيمة لما عُدَّ ذلك فيهم كثيرا، فكيف ولم تبلغ بعد المساجد في صيانة حقها أن تنال بعض ما يتمتع به غيرها أو يُوفَّى لها في أمر البناء والوجود بغير مزاحمة مما هو من واجبات الدولة ومن مسوغات بقائها. كان الأجدر بالشيخ أن يوجه ناظريه ومحدثه تجاه المقاهي (والغرز) ودور اللهو التي أتت على ضمائر الأمة ورصيدها من شبابها بدلا من أن يفوه بما فاه به بحق خيار البقاع.
إنا لفي زمن تركُ القبيح به من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
وقد أحسنَّا الظن بالشيخ حين طلبنا له مانعاه الشاعر على الناس، ولا يزال الأمر على ما قاله الأستاذ محمود سامي البارودي يرحمه الله " هيهات، ما كلُّ شامةٍ خالا ولا كل حلقة خلخالا"، فمثله ينبغي أن لا يغيب عنه فيما غاب قول الله تعالى( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:114) يستوي في إثم ذلك الخراب والتخريب هدم القائم ومنع القادم
السنة والشيعة دينان لا مذهبان، وعقيدتان لا ملعبان أو ناديان.
ومبلغ ظننا في الشيخ أنه في واقع الأمر لا تغيب عنه تلك الحقائق بعد ان عمِل بلجنة الفتوى بالأزهر الشريف دهرا، وإلا فبأي شريعة استحلَّ ما حصله من أجرٍ وغنيمة والحق ناطق في غير ما ذهب، وظاهر وعلى خلاف ما نطق؟
نعم السنة والشيعة الآن دينان لا دين واحد، وتلك هي بعض الأدلة التي لا تغيب عن عالم في الأصول وفي الفروع:
أما في الأصول:
1- فالشيخ يعلم أن الشيعة خرجوا من الدين بالكلية بقولهم المفرط في عصمة أئمتهم وتلك خاصيتهم التي لم يشركهم فيها أحد إلا من هو شر منهم، لأن هذا الصنيع - كما أجمع عليه أهل السنة – جهل واتباع للهوى، والجهل لا حدَّ له [ منهاج السنة 2/ 452، 477] بل إن شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية ذهب إلى أن هؤلاء ملاحدة منافقون[ السابق 2/452].فإن كان لا يعلم فتلك طامته .
2- كذلك فإنه يعلم وينبغي له ان لا يجهل - اعتقادهم بأن مسألة الإمامة هي أهم المطالب في أحكام الدين عندهم، وأشرف مسائل المسلمين- على ما ذكر إمامهم الملقب بالصدوق، وليس كذلك، لأن هذا الاعتقاد فيهم كما أجمع عليه أهل السنة هو أيضا كذب وكفر، لأن الإيمان بالله ورسوله أهم عندنا نحن أهل السنة من مسألة الإمامة، فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في الكفار؛ فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر؛ لا يذكر لهم الإمامة بحال، وقد قال تعالى (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة:11) فجعلهم إخوانا لنا في الدين بالتوبة وإقام الصلاة؛ وإيتاء الزكاة، ولم يذكر جل جلاله الإمامة بحال.
3- أنهم جميع الآن يفترون الكذب ويكذبون بالحق، وهذا هو حال المرتدين، ولهذا كان أهل المدينة يتوقون أحاديثهم، حتى كان الإمام مالك إمام دار الهجرة رضي الله عنه يقول " نزِّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم،[ المصدر السابق 4/493].
4- أن هؤلاء الإمامية تخالف أهل البيت في عامة أصولهم وأصولها، وأن شيوخ الرافضة معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب، ولا عن سنة، ولا عن أئمة أهل البيت [ المنهاج 2/369]
5- وأن من أصولهم المعتمدة زعمهم أن حُبَّ عليٍّ حسنة لا تضر معها سيئة، وأن بغضه سيئة لا تنفع معها حسنة" وقد قال في ذلك علماؤنا أن هذا أيضا كفر ظاهر، يستتاب صاحبه، فإن من أبغضه إن كان كافرا فكفرُه هو الذي أشقاه، وإن كان مؤمنا نفعه إيمانه وإن أبغضه، فإن حب الله ورسوله أعظم من حب علي، والسيئات تضر مع ذلك –أي مع حبهم الله ورسوله-.[ منهاج السنة 73: 75].
6- أن أصل دين هؤلاء الروافض مبني على مجهول ومعدوم؛ لا على موجود ولا معلوم، فهم يظنون أن إمامهم موجود معصوم، وهو في الحقيقة مفقود معدوم، ولو قدِّر أنه على غيبته التي قاربت اثني عشر قرنا كان موجودا معصوما؛ فهم معترفون بأنهم لا يقدرون أن يعرفوا أمره ونهيه كما كانوا يعرفون أمر آبائهم ونهيهم، والمقصود بالإمام إنما هو طاعة أمره، فإذا كان العلم بأمره ممتنعا؛ كانت طاعته ممتنعة، وكان المقصود بوجوده أيضا ممتنعا.
يقول الإمام الرباني ابن تيمية" ولهذا كان المتبعون له - أي للإمام المزعوم الغائب- من أبعد الناس عن مصلحة الدين والدنيا، لا تنتظم لهم مصلحة دينهم ودنياهم إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم – كما فعلوا مع الصليبيين- ، فهم كاليهود الذين لا تنتظم لهم مصلحة إلا بالدخول في طاعة من هو خارج عن دينهم، فهم يوجبون وجود الإمام المنتظر المعصوم- الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره وقت هروبه إلى السرداب- لأن مصلحة الدين والدنيا لا تحصل إلا به عندهم، وهم لم يحصل لهم بهذا المنتظر مصلحة في الدين ولا في الدنيا، والذين –احترموا عقولهم وآدميتهم- وكذبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا أقوم بمصالح الدنيا والدين من أتباعه، فالقول في الإمامة لا يُنال به إلا ما يورث الخزي والندامة[ منهاج السنة 1/ 91].
7- كثير من شيوخ الروافض يصف الله تعالى بالنقائص –بغير نكير من غيرهم-، وكلهم متنازعون في عصمة الأنبياء،مثل قول فزارة بن أعين بجواز البداء على الله تعلى،وأنه يحكم بالشيء ثم يتبين له ما لم يكن علمه فينتقض حكمه لما ظهر له من خطئه، -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وكذلك قول هشام بن الحكم وزرارة هذا من أنه تعالى يعلم ما لم يكن عالما به، دع عنك ما يقوله شياطين هؤلاء الغلاة وشيوخهم القائلين بألوهية علي أو نبوته وغلط جبريل بالرسالة؛ فإنه لشناعته أعظم من أن نذكره للشيخ هنا؛ ولم يصدر عنهم إلى الآن تبرؤ من هؤلاء العتاة من المجرمين.
8- قولهم بأن علم الأئمة أربى من علم الأنبياء" لأن الذي وصل إلى الأنبياء قطرة من بحر الأئمة، ولمعة من نورهم، وذرة من سرهم، وعندهم ما عند الأنبياء مضافا إليه، وكل ما سطر في اللوح المحفوظ صار إليهم، والنبي ينتظر الغيب والإمام ينظر في الغيب" [ مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين 103: 141].
9- إذا اختلفوا في مسألة على قولين فالقول الذي لا يعرف قائله هو الحق عندهم، لأنه- فيما يهرفون - قول الإمام المعصوم [ منهج السنة في العلاقة بين الحاكم والمحكوم244] وأخيرا فإنا نختم هذا البند للشيخ بما عساه أن يخفف عنه من مهازلهم.
10 – جاء في كتاب إلزام الناصب" الإمام يولد مختونا، ويكون مطهرا، ويرى من خلفه، كما يري من بين يديه، ولا يكون له ظل، وأنه بشر ملكي، وجسد سماوي، وأمر إلاهي، وروح قدسي، ومقام علي، ونور جلي، وسر خفي" ومن سوء حظ الشيخ أن يأتي سقوطه على نفس النغمة في الباطل والنسق – وأهلي وزملكاوي-[ إلزام الناصب 1/ 54].
هذا ما كان مما اخترناه للشيخ مما يدينون به في باب الأصول، وما منعنا إلا من الاسترسال والاستقصاء فيها إلا خوف الملال. ولم يبق على ذلك فيما نرى مجدٍ في أصول هذا الباطل لنهدمه.
أما ما هو كائن في الفروع التي طالما جهل بها الجاهلون وغفل عنها الغافلون حتى سقطوا مع الساقطين بدعوى أن الاختلاف في الفروع لا يؤثر، فإلى الشيخ ما عساه به يراجع دينه:
أخرج الصدوق الشيخ الجليل – كما يزعمون- أبو جعفر القمي في كتابه "علل الشرائع"
1- من حديث تميم بن بهلول عن أبيه يبلغ به –كذبا جعفر بن محمد " إذا حج أحدكم فليختم حجه بزيارتنا، لأن ذلك من تمام الحج" 2/169.
2- وعن جابر عنه" تمام الحج لقاء الإمام"
3- من حديث محمد ماجلويه يبلغ به أبا عبد الله –كذبا- وقد سئل عن النساء ما لهن من الميراث؟ فقال " لهن قيمة الطوب؛ والبناء؛ والخشب؛ والقصب؛ فأما الأرض؛ والعقار؛ فلا ميراث لهن فيهما، لأن المرأة ليس لها نسب ترث به؛ وإنما هي دخلت عليهم، وإنما صار هذا هكذا لئلا تتزوج فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرون فيزاحمون هؤلاء في عقارهم" السابق 2/295. ولا يزال العمل بهذا الكفر إلى الآن ساريا فيهم بغير نكير، يقول المدعو فيهم حسين فضل الله :المعروف المشهور بين فقهاء الإمامية عدم إرث الزوجة من العقار[ صحيفة الوطن العدد 11643 في 14/6/ 2008م]
4- وفي النكاح غير ما هو ذائع ومشهور عنهم" انه إذا أذنت الزوجة باجتماع العمة والخالة عليها فلا بأس" علل 2/212.
5- وله فيما كذب به عن الحسن بن علي" لولا محمد والأوصياء من ولده كنتم حيارى كالبهائم، وقد منَّ الله عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم، وفرض عليكم لأوليائه حقوقا،فأمركم بأدائها إليهم ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم وشربكم"2/ 291.
6- وله من حديث سيف بن عميرة عن داوود بن فرقد ،قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام:ما تقول في قتل الناصب؟- يعني به أهل السنة والشيخ في أغلب الظن منهم-، قال " حلال الدم،لكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطا، أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد به عليك فافعل، قال : قلت: فما ترى في ماله؟ قال: توِّه ما قدرت عليه" عليه السلام!!!! علل شرائعهم 2/ 326.
7- ومما كذبوا فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الفروع واتخذوه دينا فما زعموه أنه من حديث جعفر عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" اتركوا اللص ما ترككم، فإن كلَبَهُم شديد وسلبهم خسيس" السابق 2/328، وحاشا ان يكون هذا من قول غير اللصوص الذين يلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون.
8- وقد أخرج أيضا كاذبا وهو لهم دين من حديث عمرو بن ذريح عن أبي عبد الله قال: أصاب بعير لنا علة ونحن في ماء لبني سليم، فقال الغلام: يا مولاي أنحره؟ قال: لا؛ تريث، فلما سرنا أربعة أميال قال: يا غلام؛ انزل فانحره ولأن تأكله السباع أحبُّ إلي من أن تأكله الأعراب" 2/324. أئمة في اللصوصية وقطاع طريق.
9- وله عن عبد الله بن أبي يعفور يبلغ به في زعمه أبي عبد الله الحسين "إياك ان تغتسل من غسالة الحمَّام، ففيها يجتمع غسالة اليهودي؛ والنصراني؛ والمجوسي؛ والناصب لنا أهل البيت- يعني السني- هو شرُّهم، فإن الله تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب؛ وإن الناصب لنا أهل البيت أنجس منه"علل الشرائع 1/340.
ونحن نُجلُّ الشيخ بعد هذا أن يتأبى على مراجعة نفسه ودينه، فهو لن يبرح عندهم المكان الذي اختاروه لأهل السنة في تقديرهم وقد سموهم بالنواصب .
إن خفة الدم والتظارف في مواطن البيان عن الله أمر يمقته الله وتمجه الكرامة، ويذهب بالقدر والمكانة، فكيف إذا ظاهرتها خفة العلم والعمامة.
إن الرافضة –كما قالت الوقائع وقال إمام أهل السنة ابن تيمية رضي الله عنه إذا تمكنوا فإنهم يوالون الكفار وينصرونهم، ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيهم[منهاج السنة4/537]، فهل مثل هذا يخفى على الشيخ الجليل وشيخه الذي جعل من تلك القضية في حق الشيخ القرضاوي مسألة شخصية؟
كتبت صحيفة الأسبوع القاهرية بالعدد514في 5/2 / 2007تحت هذا العنوان "نصَّار خزعل يكشف فظائع الاستعمار الإيراني لعربستان" اقتلاع العيون.. قطع الأيادي ..الرجم حتى الموت.. إلقاء العرب أحياء من الطائرات.. إطلاق النيران على المصلين.. والبقية تأتي.
ثم أردف الكاتب قائلا: أخطر مؤامرة استعمارية في الخليج العربي امتدت 81عاما، فمنذ عام 1925م وحتى يومنا الحالي يعاني المواطنون العرب في عربستان- الأحواز- من كافة أشكال وصنوف الاضطهاد والتعذيب على يد الاستعمار الشيعي لبلادهم حيث يستخدم الاستعمار الفارسي معهم كل أدوات التنكيل ومنها:
1- إلقاء المواطنين العرب في عربستان – الأهواز- من على متن الطائرات الهليكوبتر، وفقء أعينهم، وقطع أياديهم، ورجمهم بالحجارة حتى الموت.
2- نشر المذهب الشيعي الصفوي بين السكان والتضييق علي أهل السنة منهم برفض إقامة مساجد سنية لهم في المناطق التي يقيمون فيها.
3- محاربة اللغة العربية وفرض التحدث باللغة الفارسية على أهل الأحواز العرب، وتعمد تغيير الأسماء لتنطق على الطريقة الفارسية.
4- يعيش السكان العرب الأحوازييون حياة الحرمان والفقر والبؤس على الرغم من أن المورد الرئيسي للاقتصاد الإيراني وهو النفط يتواجد في الأحواز المحتلة فارسيا بصورة أساسية.
5- تم قتل 1800 عربي أحوازي يوم 26/5/1979م على إثر مطالبة زعمائهم الخميني أن يفي لهم بعهده ويعطيهم حقهم في الاستقلال، فكان جوابه قبل هذه المجزرة لهم" أنه لا يوجد عرب في إيران". علما بأنهم يعلمون أن هذه المنطقة العربية سلبت من العرب عام 1925م كما سلبت فلسطين، بالكيد البريطاني الذي كادوا به للمنطقة كلها، بيد ان العرب عن هذا الحق لا يزالون غافلين، ولم لا وبعض شيوخهم هم سبب علتهم وبعض أدوات استغفالهم.
إن مما حملنا على الكتابة لهذا الشيخ مرة ثانية بعد أن نبهناه من قبل على ما صدر عنه من تناقض في قضية الربا، وذلك بالبيان الذي عنوانه " علي جمعة وجمال قطب يردان على علي جمعة وجمال قطب" هو أنا لا نزال نرجو له الخير وحتى لا يكون مصيره مصير غيره من الشيوخ الذين سكتوا عن زلاتهم فما فاجأهم إلا قول القائل فيهم :
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ويستحل دم الحُجَّاج في الحرم
إن كل من أبغض ما يُعلمُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبه ويواليه؛ وأنه كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويواليه كان بغضه ذلك دليلا على استمكان شعب النفاق من قلبه، ولهذا كان أعظم الطوائف نفاقا هم المبغضين لأبي بكر وعمر لأنه لم يكن في الصحابة أحبُّ إلى النبي منهما، ولا كان فيهم أعظم حبا للنبي صلى الله عليه وسلم منهما.
إني أرى من لا حياء له ولا أمانة وسط الناس عريانا
إن أصل بدعة الرافضة –كما هو مقرر عند أهل السنة- عن زندقة، وإلحاد، كما أن تعمد الكذب كثير فيهم، حتى قال فيهم شيخ الإسلام "إن شر غير الروافض جزء من شرهم، فهم والإسماعيلية والنصيرية ممن خرج عن الدين بالكلية [منهاج السنة 1/68: 69، 2/ 477 ] فهل خفي مثل هذا عن الشيخ في هزله وجده؟
إن من سلك سبيل أهل السنة استقام قوله،وكان من أهل الحق والاستقامة والاعتدال، وليس من الاستقامة الهزل في مواطن البيان عن الله
( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران:8)
صدر عن جبهة علماء الأزهر25 من شوال 1429هـ الموافق 25/10 /2008م


الجمعة، 17 أكتوبر 2008

نداء في بيان من جبهة علماء الأزهر


لاستنقاذ الأمة
بعد أن تصدع الإنسان المصري في كل مظاهره
خمس فتيات يجتمع عليهن مائة ذئب وكلبٍ في أشهر ميدان من ميادين القاهرة وذلك في واضحة النهار، صبيحة عيد الفطر على رؤوس الأشهاد ينتهكن على مرأى العامة والخاصة عرضهن ويقضمن لحومهن بصيحة فاجرة انبعثت من أشقاهم تعارف عليها المجرمون " وليمة"، فاجتمع عليها الناهشون وهم آمنون من كل مؤاخذه، مطمئنون من عاقبة المحاسبة و المساءلة ، وذلك بعد أن رفع القانون لهم سن الإذن لهم بالزواج إلى الثامنة عشرة، وجعله بذلك أطفالا رغم بلوغهم ،وأذن للمرأة بما لم يأذن لها به الله، فأدركوا –وأدركت - أن القوانين ببلادنا هي لتربة الجريمة لا لمطارتها ،ولحماية المجرمين لا لحسابهم ،و لقتل الأرواح لا لحمايتها، ولكبت الهمم لا لإطلاقها ، وهي لذبح العزائم لا للاحتفاء بها أو تشجيعها ، ومصانع تلك القوانين هي كملاجئ اللقطاء، هذه تربي صغار الأطفال وتلك تربي صغار الجرائم، فنشأ على تلك الحال البغيضة الناشئة فيها، وقد أحيط بهم وبأمتهم، حتى إنه لم يعد أمام ناظريهم وعلى أسماعهم حرمة في ديارنا لم تُنتهك، وجريمة بقوة السلطان لم ترتكب، فتقدم هؤلاء الأشقياء لجريمة الجرائم وهم آمنون.
وقد تحقق لهم من النظام ما تحقق للمجرم مُغْرِقِ السفينة، وقاتل ركابها، وخاطف شهودها، وهو عين ما كان لملوُِّث الدماء، والمتربح من النوازل والكوارث، وهو عين ما سيتحقق عن قريب للفاجر الذي أتَوْابه ليحمونه من أنياب العدالة خارج الديار إن طال بهم العمر، وتأخر لهم الأجل!!!.
فماذا بقى في مصر من حرمات لم تنتهك؟ وماذا بقى من معالم الهلاك ومقدمات الدمار الماحق لم تحل بأرضها أو تنزل بعرصاتها؟.
إغراق وتغريق تلحقها البراءة لحوق العار بالفاجر، وحرائق تلتهم المؤسسات وتضرم النار في الكبود؛ ومعها للمجرمين الحصانة والصيانة، وهدم يعقبه هدم، هدم للمباني وللمعاني؛ وقتل على الظِنَّة؛ ومعتقلات فاغرة للأبرياء أفواهها؛ وسجون فتحت للصالحين أبوابها؛ لا يدخلها إلا الأنقيياء ولا يعذب بها غير الأتقياء الأمناء، أطفال يولدون فيحملون الهمَّ المتصل بالديون، الشأن فيهم أنهم أعواد للثمر فقالوا لهم كونوا أعوادا للحطب!!.
حوصرت الشعائر، وطورد العُبَّاد، وأُمِّمِ الوعظُ، وأهين الواعظون، وصودر الفكر، وفرَّت الكرامة، وصار القانون لصناعة الإجرام، والمحاكم والمجالس النيابية لصيانة الجريمة وخدمة المجرمين؛ حتى أصبحت مصر مقياساً للقبائح، ومعلما من معالم الرذيلة المصانة بقوة القانون.
الإمام فيها يحلف دون أن يُستحلف، ويشهد بغير أن يستشهد، ويعتسف الحق على رؤوس الأشهاد لغير داعٍ ،وذلك بمحضر وشهود الأمة التي لا تجتمع على ضلالة، يقسم لها حانثا على أنه وحده هو المصيب فيما تكلم وأراد و أنهم كلهم مخطئون فيما فهموا عنه ورموه به، وهو الذي يتكلم على الدوام بكلام يصطبغ بالمغالطة والإسراف، وقد علم أن الغفلة قد تكون أقبح من الإثم الصريح، وقد كانت؛ حتى صرنا به على مثل ما قال القائل
إنَّا لفي زمنٍ ترك القبيحِ به من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
وحين يقع الفساد في المُجْمَعِ عليه من آداب الناس وأخلاقهم؛ ويلتوي بمثله ما كان مستقيما، وتتشبه العالية بالسافلة، ويقوم وزنُ الحكم على القبيح المنكر، وتجري العبرة بالرذائل والمُحرَّمات، ولا يُعجبُ الحاكمين إلا ما يُفسدهم، ويقع ذلك منهم بموقع القانون، ويَحلُِّ في محل العادة، فحينئذ يحل بالجميع غضب الله الذي لا تقوم له قائمة، ولا يدفع نقمته عنهم مُدافعٌ ؛كما جاء في الحديث الذي أخرجه مالك في موطئه "كان يقال إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا فُعِلتِ المعصيةُ جهارا استحقوا جميعا العذاب"، وحين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها " أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال صلى الله عليه وسلم " نعم إذا كثر الخبث"
و أي خبث أخبث من أن تُُفعل أبشع الجرائم وترتكب على أرض مصر نهارا ويوم الزينة جهارا أشنع القبائح فلا يفزع لها حاكم،ولا ُتقال لها حكومة، بل ولم يتأوه لها واعظ ؛ولم يتفجع عندها أو لها الشيخ؛ بعد أن رضي لنفسه أن يركب مركب المفسدين؛ وصار كل همه معهم أن يَسْلُبَنا فنعطي صاغرين؛ ويقمعنا فنمتثل خانعين، على رغم ما يرى بنفسه من أهل السياسة حوله حيث يعتبرون مخادعة الناس حقا من حقوقهم؛ وذلك لفقدانهم الدين الذي يدعوهم إلى رحمة الناس وإنصافهم، ففصموا العروة بعد توثيقها، ونقضوا اليمين بعد توكيدها، وفرقوا الكلمة بعد جمعها، فهم في شرع الله مسلمون بغير إيمان، و في عرف العرب عرب من غير شرف، وعند الناس أناسي من غير ضمير، هم خفافيش يقتلها النور ويحييها الظلام، وثعالب لا تفتأ تتجاذب وتمكر، خفافيش وثعالب فيهم الخسة والضعة، خصُّوا جميعا أنفسهم بالغنيمة الباردة من أموال الدولة، ولم يراعوا للمصلحة العامة إلا ولا ذمة.
أذلَّهم الكَلَبُ على المادة، واسترقهم الشره للجنس والمال، فعبثوا بالحق سنوات وسنوات، واستمتعوا برُضاب كل حكومة حيناً من الدهر، و مع ذلك ومع يقينه من أن أكثر ما في حوزة الخُزَّانِ عارٌ أكبر، فإنه رتع فيما رتعوا، فصارت بذلك المروءات وشارات المعالم متجرا بسوء صنيعه الذي تناغم به مع أصنام السياسة التي أولُّ أمرها في استعباد شعوبها أن تترك لهم الاستقلال التام في حرية الرذيلة، فنطق الفريقان –شياطين السياسة وشياطين الديانة- لغير الحق ولم يفعلا للأمة شيئا من الخير، حديثهم يصدر دائما من فم واحد، إفكٌ مُرْجِفٌ ؛وبغيٌ أثيم، وإذا فسق الحاكم فقد فسق الحكم.
تعددت الأصنام والشرك واحد.
علماء السلطة وشيوخ الشرطة كلهم اليوم ممثلون، يلبسون على المنبر ثياب المسرح فيبدون بالجُبَّة والعِمامة، فإذا انقضى الفصل خلعوها وعادوا إلى ما ركز في طباعهم، واستقرَّ في أخلاقهم، فعكفوا عليه، عابدُ الدنيا على معبوده، وعابدُ الشهوة عليها، وعابدُ الجاه، وعابد المنصب.
فيا مصر وقد أحيط بك فادرئي عن نفسك عاقبة الهون بالأخذ السريع غير المؤجل على أيدي العابثين الذين تسنَّموا شرفك؛ وخانوا عهد الله فيك وضيعوا حقك؛ " فليس لمن خان الأمانة دين" ،" ولا غدرة عند الله أقبح من غدرة إمام عامة، فعن قريب تُنْصَبُ لكل غادر راية، وراية هذا الغادر تنصب عند إسته يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان" كما قال صلى الله عليه وسلم، فأجمعوا أمركم بكل طريق ممكن، وثقوا أنَّ الذي يحاول هدم الحق ينهدم به وإن تحفَّظ، وأعدوا للخلاص من هذا الهوان عدته، فليس بعد اليوم عذر لمعتذر في الفرار أو النكوص؛ أو التعلل؛ فقد دخلت الفتنةُ عليك من جميع أقطارها، وسئلتِ يا مصرُ الدنيةََ في دينك وشرفك، فهل أنت فاعلة؟
صدر عن جبهة علماء الأزهر في الثامن من شوال 1429هـ
الموافق 6من أكتوبر 2008م

الأحد، 5 أكتوبر 2008

يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا

«الغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختلُّ، وتؤرجح في أكفِّهم ميزان القِيَم؛ فلا يملكون تصوُّر الحياة وأحداثها وقيمها تصوُّراً صحيحاً، ويظل علمهم بها ظاهراً سطحياً ناقصاً؛ لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغيِّر نظرته إلى كل ما يقع في هذه الأرض؛ فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون.ومن ثمَّ لا يلتقي إنسان يؤمن بالآخرة ويحسب حسابها، مع آخـر يعيـش لهـذه الدنـيا وحـدها، ولا ينتظر ما وراءها؛ لا يلتقي هذا وذاك في تقدير أمر واحد من أمور هذه الحياة، ولا قيمة واحدة من قيمها الكثيرة، فلكل منهما ميزان؛ هذا يرى ظاهراً من الحياة الدنيا، وذاك يدرك ما وراء الظاهر من روابط وسنن ونواميس شاملة للظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والدنيا والآخرة، والحياة والموت...»[1].هذا ما سطَّره المفكر الأديب سيّد قطب - رحمه الله - عند قوله - تعالى -: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: ٧].والإعراض عن دار الخلود يورث في هذه الدنيا هشاشةً في المواقف والنوازل، وإيثاراً للراحة والسلامة، وملاينةً للأعداء، وتنصُّلاً من المسؤوليات الجِسَام؛ فمن كانت الدنيا همّه وشغله وهِجِّيراه[2]؛ أتراه يبذل وقته وماله وقلمه في سبيل الله تعالى؛ فضلاً عن أن يقدِّم مهجته؟!وقـد أشار الأستـاذ الكـبير د. مـحـمـد محـمـد حسـين - رحمه الله - إلى ذلك بقوله: «إن الناس في ضعفهم البشري، وتمسُّكهم الشديد بالحياة الدنيا؛ لا يدركون من الحروب والصراع إلا الجانب الذي يكرهونه ويخافونه، وهو العذاب والآلام التي تصاحب الصراع، والموت الذي قد ينتهي به، ولكن نظرة متدبِّرة تهدي المؤمنين إلى أن الآلام والموت على امتداد الحياة الكبرى ليست إلا بعض المكاره القليلة الخـطر على الامتداد الطويل المديد الذي لا يحدّه الخيال، لا يكاد يذكرها الإنسان بعد أن يتجاوزها إلى ما وراءها، فهـي لا تــزيد عما يقــابله في طفولته، أو صباه، أو شبابه، أو بعض أطـوار حـيـاته مـن ضـروب المعـانـاة في الأمـراض أو الحوادث»[3].والغفلة عن الآخرة، وضعف اليقين بأحوال القيامة قد شمل القاصي والداني، والبرّ والفاجر، والذكر والأنثى - إلا ما شاء الله - فمستقل ومستكثر، وفتِّش نفسك هل أنت سالم؟!لقد حذَّر السلف الصالح من الغفلة عن الآخرة، وعدم تذكُّر أهوال الآخرة وزواجرها؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له»[4].وعـن عـبـد الله بـن مسـعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنـار مـثل ذلك»[5]. قال ابن حجر: «فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه، ولا في قليل مـن الشرِّ أن يجـتنـبه، فإنـه لا يعلم الحسنـة التي يـرحمـه الله بـها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها»[6].وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول: «لقد رأيتُ رجالاً لو رأيتموهم لقلتم: مجانين، ولو رأوكم لقالوا: هؤلاء شيـاطـين، ولـو رأوا خيـاركم لقالوا: هؤلاء لا خـلاق لهـم، ولو رأوا شراركم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب»[7].وكان للحسن مجلس خاص في منزله لا يكاد يتكلم فيه إلا في معاني الزهد والنسك[8].ومن خواطر ابن الجوزي ومواعظه: «من تفكَّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهَّب للسـفر. ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.تغترُّ بصحتك وتنسى دنوَّ السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم، لقد أراك مصرعُ غيرك مصرعَك.وكيف تنامُ العينُ وهي قريرةٌولم تدرِ من أيِّ المحلّين تنزلُ»[9]وقال أيضاً: «همة المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكل من شَغَله شيء فهمّته شغله. ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيتَ البَزَّاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبنَّاء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط.والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب، وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذَّة ذكر الجنة، فهمّته متعلقة بما ثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ما تمَّ»[10].إن الإيمان بالآخرة أصل صلاح القلب، وأصل الرغبة في الخير والرهبة من الشر، اللذان هما أساس الخيرات، فالإيمان بيوم القيامة يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء اللذين إن خلا القلب منهما؛ خرب كلَّ الخراب، وإن عُمر بهما أوجب له الخوفُ الانكفافَ عن المعاصي، والرجاءُ تيسيرَ الطاعة وتسهيلها[11].ومع كثرة الخطط الدعوية والبرامج التربوية عند الإسلاميين؛ إلا أن هذا الجانب الإيماني الروحاني الجليل لم يُعْطَ حقه من الاحتفاء وتربية الأجيال عليه؛ إذ لا يتولى هذا الشأن إلا من قلَّ علمه وقدره.لقد كان الوعاظ في قديم الزمان علماء وفقهاء، وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما أحوج الناس إلى قاضٍ صدوق[12].إن الناظر في واقع الصحوة الإسلامية - فضلاً عن واقع عامة المسلمين - ليلاحظ جملة من الآفات السلوكية والأخلاقية، باعثها ضعف الإيمان باليوم الآخر، ومن ذلك: الفتور عن العمل الدعوي لأجل الدنيا أو الأهل، وأسوأ من ذلك تسخير العمل الدعوي ولَيُّه في سبيل تحصيل حظوظ الدنيا! وكذا استرواح المداهنة لأعداء الله تعالى، واللياذ بالمواقف العائمة التي لا تهدم باطلاً ولا تنصر حقاً، والانبهار بالحضارة المادية، والتولِّي عن مقارعة أئمة الكفر والبدع والفجور، وغياب الأخلاق والمروءات؛ كالشجاعة والكرم والنصرة، وتتبُّع رخص الفقهاء.. إلخ.ورحم الله ابن القيم إذ يقول: «لا تتمُّ الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بالنظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرَّات، كما قال الله - سبحانه -: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: ٧١]، فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة»[13].وقال - في كتاب آخر -: «جميع الأمم المكذِّبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حبُّ الدنيا.. فكل خطيئة في العالم أصلها حبُّ الدنيا، فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة بأهلها.. والدنيا تسحر العقول أعظم سحر..»[14].كم هو موجع حقاً حال طائفة منا - معشرَ الدعاة وطلابَ العلم - إذ كانوا في ريعان شبابهم على حظ كبير من الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، والبذل والحرص على أداء القربات وأنواع التضحيات، ثم لما وهن العظم، واشتعل الرأس شيباً، ودنا الرحيل؛ إذا هم ينكبُّون على حطام الدنيا الزائل، ويتثاقلون عن تلك القربات، ويغالبهم العجز والكسل! «واعجباً! كلما صعد العمر نزلتَ، وكلما جدَّ الموت هزلتَ! أتُراك ممن ختم بفتنة، وقُضيت عليه عند آخر عمره المحنة؟ كنت في زمن الشباب أصلح منك في زمن أيام المشيب»[15].واحسرتاه! تقضَّى العمر وانصرمتساعاته بين ذلّ العجز والكسلِوالقوم قد أخذوا درْب النجاة وقدساروا إلى المطلب الأعلى على مَهَلِإن على محاضن الصحوة الإسلامية أن يتعاهدوا أفرادهم بالتربية الإيمانية النبوية، ومن ذلك: أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - كان يربِّي صحابته الكرام - رضي الله عنهم - على العزوف عن الدنيا والاشتغال بيوم المعاد؛ فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنكبيّ فقال: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»[16]قال ابن رجب: «وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطناً ومسكناً فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يُهيِّئ جهازه للرحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم..»[17].وعـن عـديِّ بـن حاتم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اتقوا النار، قال: وأشاح، ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض وأشاح ثلاثاً حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال: اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة؛ فمن لم يجد فبكلمة طيبة»[18].ألا فليسعنا ما وسع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه رضوان الله عليهم؛ فإن خير الهدي هدي نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - .
(*) أستاذ مشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ الرياض.[1] في ظلال القرآن: 5/2759؛ باختصار.[2] هِجِّيراه: دأبه وديدنه وعادته.[3] الإسلام والحضارة الغربية: 192 - 193؛ باختصار.[4] أخرجه الترمذي.[5] أخرجه البخاري.[6] الفتح: 11/321.[7] مجموع الفتاوى، لابن تيمية: 16/72.[8] سير أعلام النبلاء: 4/579.[9] صيد الخاطر: 45؛ باختصار.[10] صيد الخاطر: 342.[11] انظر: تفسير السعدي: 1/29، 360.[12] انظر: تلبيس إبليس، لابن الجوزي، ص 134- 135.[13] الفوائد، ص 88؛ باختصار.[14] عدة الصابرين، ص 185؛ باختصار.[15] صيد الخاطر، لابن الجوزي، ص 183.[16] أخرجه البخاري.[17] جامع العلوم والحكم: 2/377.[18] أخرجه البخاري ومسلم.

الخميس، 11 سبتمبر 2008

بأي ذنب قتلوا...



بقلم د. هاني السباعي :مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.تقدمة:كنت عازماً أن أكتب مقالة بمناسبة مرور سبع سنوات على احتلال أفغانستان واقتراب رحيل جورج بوش الصغير بلا رجعة عن البيت الأبيض! فقد كانت بحق سبع سنوات عجاف على القوات الغازية وفي نفس الوقت على الشعب الأفغاني بقيادة مجاهدي طالبان! في هذه السنوات العجاف لم تكل طالبان ولم تمل ولم يهنوا في ابتغاء وجهاد المحتلين وأعوانهم! واستوعبت درس الصدمة الأمريكية جيداً! فلملمت جراحاتها واستجمعت قواها وعزيمتها بعد استمساكها بربها! فأذاقت المحتلين طعم السنوات العجاف! مع فارق العدة والعتاد! فآلمتهم كما يتألم الشعب الأفغاني! تصداقاً لقول الله تعالى: (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:104).

ومن ثم ظهر الأمل الأخضر مختبئاً في الأفق خلف سنوات سمان يأكلن بفضل الله تعالى تلكم السنوات العجاف! وكنت أود أن أعلق على خبرانتخاب (آصف زرداري) رئيس جديد لباكستان! ذي الأغلبية السنية لشيعي علماني من كبار المفسدين المرتشين! تحت عباءة ما يسمى بالاحزاب الوطنية أو القومية! كما في تجربة حزب البعث في سوريا عندما تسلق النصيريون عضوية الحزب حتى وصلوا إلى حكم بلد ذي أغلبية سنية! وهناك تجارب أخرى سنذكرها بمشيئة الله في حينها! هذه المفاهيم الجديدة التي أحلت محل عقيدة الولاء والبراء التي ميعها وخدرها وعقرها علماء ما يسمى بالوسطية الجديدة! ونظراً لأننا في شهر رمضان المبارك أرجأت هذا الحديث عن حصاد السنوات العجاف وحلول السنوات السمان إلى مقال مطول بعد انتهاء الشهر الفضيل بإذن الله تعالى.عود لعنوان المقال:أما عن عنوان وموضوع المقالة فقد أثار حفيظتي كمسلم مهموم كسائر المسلمين بحال أمتنا التي ترزح تحت نير قوى الشر والاستكبار منذ عدة قرون ولا تزال تحتلب دماً وتتجرع كوارث ومصائب لا تهدأ ولا تفتر وقد رمتنا الدنيا مجتمعة بقوس واحدة بغية استئصال شأفتنا واجتثاث هويتنا (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8).
وأقدم بين يدي هذه المقالة خبر الاعتداء الغاشم على مدرسة دينية لتعليم أطفال المسلمين في منطقة ميران شاه شمال غرب باكستان قرب الحدود الأفغانية حيث ورد في وكالات الأنباء بتاريخ 8 من رمضان 1429هـ الموافق 8 سبتمبر 2008م حيث لقي عشرون شخصاً بينهم ثلاثة مسلحين على الأقل مصرعهم وجرح 20 في الهجوم، كما رجح مسؤول استخباراتي أن تكون الصواريخ قد سقطت على مدرسة ومنزل مجاور لها شمال وزيرستان. وقالت تقارير باكستانية إن أربعة صواريخ أطلقتها الطائرة استهدفت المدرسة التي يديرها حقاني. وسمع سكان في المنطقة أصوات انفجارات كبيرة في قرية داندي دارباخيل الباكستانية القريبة من الحدود الأفغانية حيث توجد مدرسة دينية أسسها جلال الدين حقاني أحد زعماء "المجاهدين". وتضيف أخبار أخرى: وأضاف مسؤول أمني من بين القتلى رضيع في الشهر السادس وامرأتان! مشيراً إلى إصابة 25 شخصاً بجروح. وأكد مصدرطبي هذه المعلومات. وهي المرة الرابعة في أقل من أسبوع التي تقوم فيها طائرات بدون طيار، لا تملكها إلا القوات الأمريكية المنتشرة في أفغانستان المجاورة، بإطلاق صواريخ على المناطق القبلية الباكستانية

استوقفني وأعتقد أنه استوقف كل حر كثرة الاعتداء على أطفال ونساء ومشايخ وعجائز وأرامل المسلمين من قبل قوات الاحتلال الأمريكي والناتو والإيساف في أفغانستان، وتكراره أيضاً ذلك في بلاد المسلمين المحتلة في الشيشان، والعدو الغاصب لفلسطين والحبل على الجرار! حتى أثيوبيا تفعل ذلك في الصومال!! المفترض أن الغرب يتشدق بحماية المدنيين يعني غير المحاربين طبقاً للمفهوم الإسلامي! وهناك اتفاقيات جنيف وغيرها لحماية المدنيين يبرزونها ويقيمون الدنيا من أجلها إذا كان هذا المدني غربياً أو لهم مصلحة في إبراز قضيته! فهنا تسن القوانين ومجلس الأمن يشرعن ويأمر بإنشاء محاكم خاصة! إذن هذه لعبة مفضوحة قد استبان عوارها وظلمها، وأن شعار حماية المدنين وحصانتهم في مناطق النزاع أو ساحات الحروب! شعار مضلل! يستخدم فقط لحماية الأقوياء المستكبرين في الأرض!

فدماء المسلمين صارت أرخص ما يكون! لقد صارت لحوم ودماء المسلمين الوجبة اليومية للقوات الغازية! وصارالولوغ في هذه الدماء الزكية يروي عطش وظمأ شذاذ الأفاق في الجيش الأمريكي وقوات الناتو وكل من هب ودب على وجه الأرض!
وأكاد أزعم أن الأمر لم يكن محض مصادفة في اتخاذ الغرب المسلمين غرضاً للقتل والتنكيل بهم إنها عقيدة راسخة عبر قرون طويلة في قتل الأطفال والنساء والشيوخ وتهديم البيوت وتحريق المزارع وهذه بعض نصوص العهد القديم التي يقدسونها ويحاربون الدنيا من أجل نشرها وتطبيقها:
النص الأول: جاء في سفر التثنية: الإصحاح السابع: " ولكن هكذا تفعلون بهم تهدمون مذابحهم و تكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم وتحرقون تماثيلهم بالنار. ".
النص الثاني: وجاء في سفر حزقيال: الإصحاح التاسع: " اضربوا لا تشفق أعينكم و لا تعفوا الشيخ و الشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك ولا تقربوا من إنسان عليه السمة وابتدئوا من مقدسي فابتدئوا بالرجال الشيوخ الذين أمام البيت. وقال لهم نجسوا البيت واملأوا الدور قتلى أخرجوا فخرجوا وقتلوا في المدينة".
النص الثالث: وجاء أيضاً في سفر العدد: الإصحاح الحادي والثلاثين:" فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال و كل امرأة عرفت رجلا بمضاجعة ذكر اقتلوها".
هذه النصوص تبين لنا بجلاء سر تعمد القوات الأمريكية والناتو والإيساف قتل أبرياء المسلمين بلا رحمة فهم يتقربون من منطلق عقدي بدماء أطفالنا ونسائنا وشيوخنا! فرئيس أمريكا الأسبق وليام ما كينلي زاره المسيح في المنام لاحتلال الفلبين! وجورج بوش الصغير زاره المسيح أيضاً في المنام لاحتلال العراق وأفغانستان! وثالثة الأثافي! سارة بيلن نائبة المرشح الجمهوري جون ماكين تعتبر الجنود الأمريكين في العراق وأفغانستان في مهمة للرب (المسيح)!! اللهم احفظ عقولنا!
لقد وصل التبلد بالعالم بما فيهم معظم المسلمين إلى درجة موت المشاعر والضمير! حيث إنهم ألفوا هذه الصور الدامية الباكية من أشلاء الأطفال وهي تختلط بأوراق المصاحف وأسياخ الحديد! وتتناثر لحوم قتلى الحرائر على أغصان الشجر وعلى أكياس القمامة! بل إن قرية تدك وتدفن في بطن الأرض ونحن نشاهد ونتحسر ونتألم ونتميز غيظاً ولكن سرعان ما ننشغل بأخبار أخرى وحوادث تنسينا سابقتها! لقد ألف الناس صور الجثث الممزقة والجماجم المهشمة! والأعضاء المتطايرة! والدماء المتلطخة بالجدران! ألفوا صور البيوتات المهدمة على أصحابها! ولم يسأل سائل منهم بأي ذنب قتلوا؟! وبأي جريرة أخذوا؟! ألأنهم ضعفاء فقراء قتلوا؟! ألأنهم لا يحملون سلاحاً مزقت أجسادهم؟! ألأنهم خذلوا من حكام خونة تآمروا عليهم! ومن علماء مضلين لم ينتصروا لهم! وصدق رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّونَ ».
فبأي ذنب قتلوا؟! ألأن عدوهم يعلم يقيناً أنهم مسلمون لذا لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة.. أجل! (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (التوبة:10)..

شيوخ التخدير:والعجب العجاب! أننا لم نسمع صراخ وعويل شيوخ التخدير! وعلى رأسهم شيخ الوسطية الذي يقرض ويسلق شباب المسلمين بلسان حاد! في كل مكان لحادثة هنا أوهناك على قلتها! فلم نسمع تنديده ولا خطبته العصماء أو البتراء في محطته المفضلة وفي برنامج شريعته الوسطية! ولم نسمع خطبه المنبرية في عاصمة الخلافة المجهرية التي تحتضن أكبر قاعدة لقتل للمسلمين في العالم! لم نسمعه ينشر ولو على استحياء ببيان يتيم يستنكر ويشجب هذه الجرائم المتكرر في حق أطفال المسلمين ونسائهم وعجائزهم! كنا نود أن ينشر بياناً بعنوان بأي ذنب قتلوا؟! لكنه لم يفعل! لأن هؤلاء المساكين أقل شأناً من أصنام بوذا!! قد يقول قائل إن شيخ الوسطية ينبري ويحمر وجهه في حالة أي اعتداء على المسلمين في فلسطين؟! نعم! هذا يشهد لشيخ الوسطية! الذي جعل الإسلام عضين! وفرق بين دمائهم! فالمسلم في فلسطين دمه نقي! أما المسلم في الشيشان أو أفغانستان أو الصومال أوكشميرأو العراق فمسلم درجة ثانية!!
فأين شيخ الاتحاد العالمي! من الحديث الصحيح كما في البخاري:
« ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلاَ عَدْلاً ».

برقية تعزية لمولوي جلال الدين حقاني:
كنا نود أن يرسل شيخ الوسطية! برقية تعزية للشيخ المجاهد بحق القائد المغوار جلال الدين حقاني في استشهاد زوجته وأخته نحسبهما كذلك! تلكم المرأة الأفغانية الصابرة المحتسبة التي قتلت ظلماً وعدواناً على أيدي قوات الغدر والشر الأمريكية وحلفائها! كنا نود أن نقرأ لشيخ أشياخ الوسطية! برقية تعزية للمجاهد البطل جلال الدين حقاني على غرار برقية شيخ الوسطية لصديقه الحميم رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة!إن مولوي جلال الدين حقاني لا يعرف عيش الفنادق والقصور! فهذا الرجل لم يأخذ حقه إعلامياً بسبب اهتمام فضيلة الشيخ بأصدقائه المجاهدين في فنادق الدوحة ودمشق وطهران! فالاهتمام كل الاهتمام ببرقيات التعزية وبخطب الجمعة في عزاء ابي رغال العراق طارق الهاشمي في مقتل أخيه أو وفاة أخته علانية! وعلى منبر برنامجه المفضل دائما يوزع برقيات التهنئة والعزاء لمن يسير في ركبه أو لمن هو يتزلف إليه!أما مولوي جلال الدين حقاني الذي جاهد الشيوعيين إبان الاحتلال السوفياتي ولم يشارك حكومة الأخوة الأعداء بقيادة رباني وسياف ومسعود تخريبهم لأفغانستان ولم تلطخ يده بقتل مسلمي أفغانستان! ولم يرسل ابنه المجاهد سراج الدين حقاني إلى جامعات باريس ولندن وواشنطن! فالأسرة بالبنين والحفدة مجاهدة صابرة! وقد أكد على ذلك المولوي حقاني في شريطه الصوتي الذي نشره في شهر يوليو الماضي 2008م بعنوان (إنها معركة الصبر) حيث يقول: سوف نحارب عدونا بالصبر. إنها ليست معركة عاجلة. إنها معركة الصبر". بالطبع لا يقصد معركة الصبر أي السكوت والصمت وكف قتال العدو! لكنه يعني أن قتال الأعداء يحتاج إلى صبر مرير لأن المعركة طويلة مع خصوم الإسلام.
لذلك لا غرو ألا يهتم به فضيلة الشيخ الوسطي! لأنه لا يغرد في سربه! لكن شيخ الوسطية دائم الثناء على رباني وسياف ومسعود الذي يصفونه بالشهيد! فمولولي جلال الدين حقاني بايع الملا عمر أمير المؤمنين لإمارة أفغانستان وهو في عمر أبنائه! لم تغره سابقته في الجهاد! ولم يغره كثرة أنصاره! وشرف وقوة عشيرته! لقد بايع مختاراً ودافع عن هذه الإمارة منذ مهدها وحتى زوالها رسمياً! لكنه لم يضع سلاحه! ولا يزال مجاهداً مرابطاً يعيش في العراء ويلتحف السماء! لم يكتحل بنوم ولم يغمض له جفن وبلاده محتلة! فلا يزال ينكأ في أعداء الأمة! يرتب الصفوف يحض على الجهاد! فمولوي حقاني مستهدف من قبل القوات الغازية لأفغانستان! تتربص به الدوائر! وتترصد له الكمائن! فقد فقد في يوم واحد في بداية الاحتلال الأنجلو أمريكي لأفغانستان العشرات من أبنائه وأحفاده وبني عمومته وكرام عشيرته! يوم أن قصفت طائرات الغدر والشر مسجداً في خوست يؤدي فيه بسطاء المسلمين صلاة العشاء والتراويح! فاستباحت قوات الإجرام الأمريكية دماء هؤلاء العباد من شيوخ ونساء وأطفال كانوا يؤدون الصلاة مع ذويهم!
وتكرر ذلك العدوان الأثيم حيث قامت قوات باكستانية مدعومة بالقوات الأميركية بشن غارة غادرة على مسجد يديره مولوي جلال الدين حقاني يمتلكه أثناء البحث عنه في منطقة شمال وزيرستان عام 2002م. وأشاع المنافقون الموالون للاحتلال أن الشيخ مولوي جلال الدين حقاني قد قتل! ويأبى الله إلا أن يفضحهم ويبقي الشيخ ليكون شوكة في حلوق قوات الاحتلال وأذنابهم!
فلو كان المولوي جلال الدين حقاني أمريكياً أو غربياً لصنعوا له تماثيل! كما يفعلون لأبطالهم على عادتهم! ولدرسوا سيرته للشبيبة في المدارس والجامعات!
كنا نود أن ينوه شيخ الوسطية! بقيمة هذا القائد المجاهد! كنا نود أن يوضع حقاني في مصاف كبار قادة المجاهدين الأبطال الأوفياء! إنه أنموذج فريد بحق لا نزكيه على الله فالله حسيبه ونسأل الله أن يحفظه! ولكن الذي يثير حفيظة المسلم الغيور على دينه؛ تجاهل مشايخ الوسطية! تلكم الوسطية المختطفة التي صار مدلولها الجديد عكس مدلولها في الذكر الحكيم! كان أحرى وأولى بشيخ الوسطية! موالاة هذا القائد الفذ مولوي جلال الدين حقاني! بدل أن يوالي ويناصر وينافح عن قادة يوصفون بالمجاهدين! وفي الحقيقة فإنهم يجاهدون حسب الطلب! أو حسب أمزجة الأنظمة المحيطة بفلسطين! أما جلال الدين حقاني فلم يدنس يده بمصافحة عمر سليمان مدير المخابرات المصرية المتآمرة في الأصل على الشعب الفلسطين وعلى الأمة! جلال الدين حقاني لم يدنس يده بمصافحة النصيريين ذلكم النظام المعادي لأهل السنة قاتل أكثر من ثلاثين ألف مسلم سني في سوريا!

المؤسسات الإسلامية في الغرب:
وأين شيخ الوسطية وزعماء المؤسسات الإسلامية في الغرب وهم في استنفار دائم إذا كان المعتدى عليه في ظروف وملابسات خاصة غير مسلم!أين بياناتهم النارية! للمحطات الفضائية وتسجيل المواد الصوتية والمرئية التي تشجب وتستنكر وتتكلم عن سماحة الإسلام وحرمة الدماء المعصومة وحرمة دم غير المسلم وأن الإسلام برئ من كذا وكذا! أين هم لا أسكت الله لهم حسا؟!
كنا نود أن نقرأ لهم بياناً يستنكراستهداف قوات الاحتلال الأمريكي للمدارس الدينية وتعمدهم قتل طلبة العلم وحفظة القرآن الكريم من أطفال وصبية وفتيات في عمر الزهور!تخيل! لو أن هذا الأمر كان في الاتجاه المعاكس! وقام بعض المسلمين مثلاً بالاعتداء على مدرسة دينية أو غير دينية لتلاميذ غير مسلمين! رغم أن المسلمين لا يتقصدون قتل نسائهم وأطفالهم! لو فرض وحدث أمر ما لقامت قيامة الغرب وخرجت العناوين الكبيرة التي تندد بالإرهاب الإسلامي!! تصم المسلمين بالبربرية والوحشية! وأخرجوا من قواميسهم أبشع عبارات السب والقذف في حق المسلمين! ولقامت وسائل إعلامهم بحملات تحريضية كعادتهم ضد الأقلية المسلمة التي تعيش بين ظهرانيهم! ولرأينا من يطلقون على أنفسهم زعماء المؤسسات الدينية بنشر بيانات الشجب والاستنكار!!
لماذا لم يتكلموا عن الترس والتترس رغم تفصيل العلماء قديماً لهذه المسألة! لماذا لا يواجهون بها قوات احتلال بلاد المسلمين الذين لا يعيرون لهذه المسائل الفقهية أية قيمة! فقد أهدرتها هذه القوات في قتالها للمسلمين وغيرهم من البشر! فبمجرد شبهة استخباراتية ثبت كذبها في معظم الأحايين يبيدون قرية كاملة بأطفالها ونسائها وشيوخها وحتى ببهائمها ومواشيها! يقتلون بلا رحمة بزعم أن هذا هو قانون الحرب الذي تلقونه عن أسلافهم! فلماذا لا يندد مناقشو مسألة الترس والتترس بجرائم الاحتلال المتوالية في أفغانستان وسائر بلاد المسلمين المحتلة؟! لماذا صمتوا صمت أصحاب القبور؟!
وعلى أية حال! نقول لهؤلاء الدعاة وأشياخ التخدير! لماذا سكتم ولماذا تفرقون بين الدماء؟! فأين هم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم بسند صحيح « الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ».
ألم يسأل شيوخ التخدير= الوسطيون! كما يزعمون! ومن اعتنق فكرهم أنفسهم سؤالاً بسيطاً عن هذه الغارات المتكررة على ذراري المسلمين: بأي ذنب قتلوا؟!وبأي جريرة أخذوا؟!لقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل هؤلاء المشايخ والدعاة: « إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِى كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمُ اللِّسَانِ ».
وسائل الإعلام العوراء!
لا أقصد هنا وسائل الإعلام الغربية فهي في الغالب عوراء في حق المسلمين! وصحيحة العينين في حق بني جلدتهم! وقد ترجم أديب إسحاق بعض أبيات لهوجو يصف حال نفاق العالم الغربي مع غيرهم من الشعوب المستضعفة:
قتل امرئ في غابة ** جريمة لا تغتفروقتل شعب آمن ** مسألة فيها نظروالحق للقوة، لا ** يعطاه، إلا من ظفرذي حالة الدنيا ** فكن من شرها على حذرلكنني أقصد وسائل الإعلام التي ينفق عليها من ثروات المسلمين المنهوبة! ورغم ذلك يغض أشياخ تخدير المسلمين عن تضليلها وكذبها في حق الأمة! فوسائل الإعلام تركز على قضية معينة وعلى مكان محتل بعينه! فكأن فلسطين وحدها المحتلة! رغم تشويههم الحقائق عن فلسطين أيضا! لكنها على الأقل لها نصيب الأسد من الاهتمام الإعلامي! أما بقية بلاد المسلمين المحتلة فعبارة عن خبر مبتسر مشوه تخلص من خلاله أن المعتدى عليه المظلوم ظالم! لأنه لم يترك بيته وأرضه ومتجره ومسجده للأمريكان الغزاة! يعني التماس العذر المبطن للأمريكان وحلفائهم في تمزيق أجساد أطفال المسلمين! مع زيادة جرعة من الغم والنكد في إحضار محلل بنتاجوني! ليعلمنا آداب القتل وأن تلكم القرية قد أبيدت بأسرها لأن لديهم معلومة استخباراتية بزعم أن شبح مجاهد طلباني مر أو اختفى بالقرية! فطبقاً لقانون الحرب الأمريكي والغربي فلا عصمة لهؤلاء الأبرياء لأنهم لم يبلغوا عن الشبح الذي زار قريتهم! وكان من الواجب عليهم أن يقتلوا أنفسهم بأيديهم! وهذا ذنبهم.. مع تقديم الطيار المسئول للمحاكمة لأنه أباد قرية واحدة وأبقى على القرى المجاورة!
فوسائل الإعلام تضخم أحداثاً بعينها وتقلل من أحداث كبرى لحاجة في أنفسهم! فتغض تلكم الوسائل عن كوارث للمسلمين في أقاصي الأرض كالشيشان المنسية! وكشمير المهملة! والصومال المتآمر عليها! وحتى العراق المجاورة الملتهبة يتعمدون تضليل الأمة وتشويه الحقائق!
فلننظر التفريق في المصطلحات فعلى سبيل المثال:
وصف المقاتلين في فلسطين = مجاهدون.وصف المقاتلين في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وكشمير وغيرها = مسلحون = انفصاليون = وفي معظم الأحايين متطرفون، أصوليون، متشددون وفي الختام إرهابيون!وصف العلميات التي تقام ضد المحتلين في فلسطين = استشهادية، فدائية!.وصف العمليات التي تقام ضد المحتلين في أفغانستان والشيشان والعراق والصومال وكشمير وغيرها = انتحارية! فمنفذ العملية في فلسطين يوصف بالشهيد وإن لم يكن ركع لله ركعة! ومنفذ العملية في أفغانستان والعراق والشيشان وكشمير والصومال وغيرها يوصف بالانتحاري وإن كان من الأتقياء البررة!
فلأن شعارهم المصداقية والاستقلالية! فكان أولى لهم أن يتعاملوا مع الأحداث بالمثل! فإما أن توصف العلميات كلها في أراضي المسلمين المحتلة بالاستشهادية أو الفدائية! أو أنها عمليات انتحارية! إن كانوا صادقين! رغم تحفظنا على هذه الأوصاف والمصطلحات التي لها تقيدات في الشريعة الإسلامية!.



صفوة القول

هذه الدماء الزكية والأجساد الغضة الطرية التي تمزقها آلة الحرب الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان وغيرها جريمة عمد مع سبق الإصرار والترصد! يشارك فيها حكام خونة نصبوا كبيادق لحماية مصالح القوات الغازية لبلاد المسلمين! وهذه الجرائم النكراء في أطفال ونساء وعجائز المسلمين يشارك فيها أيضاً علماء الأنظمة ومشايخ تخدير الأمة = الوسطيون! الذين يكتمون الحق ويضللون الأمة! ويزينون الباطل! علماء الأنظمة ومشايخ التخدير الذين رضوا بالدنية وباعوا دينهم بثمن بخس! لطاغية غشوم أو لمنصب زائل! فبئس ما يشترون!
لزام على أبناء الأمة المخلصين أن يسجلوا في تاريخهم هذه المجازر مهما طال عمر الاحتلال ومهما علا صوت الباطل! لزام على هذه الأمة أن تأخذ على أيدي هؤلاء الحكام الظالمين الخارجين على شريعة الإسلام حتى ينصرها الله! فهؤلاء الحكام وأعوانهم سبب كل بلاء حل بهذه الأمة! وهم الذين هتكوا عرض أمتنا واغتصبوا شريعة ربنا! وانتهبوا ثروات المسلمين وعاثوا في الأرض فساداً!

وكيف ينصر الله أمة لا تنتصر لضعفائها من هؤلاء المستكبرين! أو كما قال رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لاَ يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ".لزام على أبناء الأمة الغيورين أن يكون شعارهم (بأي ذنب قتلوا؟! وبأي جريرة أخذوا؟!
لزام على أبناء الأمة الغيورين أن يجددوا ذاكرة الأمة بتوثيق هذه الأحداث والجرائم التي تقترف في حقهم لكي يستعدوا ليوم القصاص ومحاكمة كل من فعل وشارك ولو بكلمة أو تقرير أو فتوى أو مشورة في اقتراف مثل هذه المجازر التي تتفتت لها الأكباد وتشيب لها الولدان وتنخلع من هولها الأفئدة! إن هذا الظلم لا بد له من نهاية ولا بد أن يعلم الظالمون أن لهم سوء العاقبة، وسوء المنقلب سواء في الدنيا أو الآخرة ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

الاثنين، 8 سبتمبر 2008

الشهيدة وفاء قسطنطين


بعد ما ثبت من تنازل الدولة عن بعض اختصاصاتها للكنيسة في قضية الشهيدة وفاء قسطنطين والسيدة ماري عبد الله زكي وغيرهما حيث أعطت جزءا من سلطاتها و استبدادها للإدارة الكنسية القبطية الأرثوذكسية بغير مُسوِّغٍ تشريعي؛ أو سندٍ دستوريٍ؛ أو اعترافٍ من فكر سياسي يُمَكِّنُ من ذلك، فقامت الدولة – وهي المستأمنة على حياة الناس وأرواحهم- بتسليم السيدة الشهيدة وفاء بعد إسلامها لرجال الكنيسة، ولم تأذن لأحدٍ من خارج رجال الكنيسة أن يلتقي بها ،بل ومكنتهم بعد ان جاهروا و كشفوا عن سوء طويتهم وقبيح نياتهم من الاعتداء عليها والحضور معها أمام النيابة ولم تكن متهمة، وأعطت المجرمين الحق في ممارسة سلطات الدولة عليها من حبس، وتوجيه اتهام؛ ومزاولة سلطة التحقيق معها ،بل والتعذيب لها بمباركة منها حتى جاءنا خبر استشهادها على أيدي الأوغاد المجرمين بغير مستند من شرعة سوى شرعة هوى البطريرك الأكبر هيلاسلاسى الكنيسة المصرية وهواه، تلك الشرعة التي بها مُكِّنَ بها من ممارسة سلطات التحقيق والتحفظ وإصدار قرارات الإفراج بشأن المعتدين من رعايا كنيسته على رجال الأمن المصريين، ثم ممارسة جريمة التعذيب على وفق ما كانت تصنع كنيسة الفاتيكان في روما ومجرمي الكنيسة المصرية من قبل مما عرف بمحاكم التفتيش ، حيث حكمت تلك المحاكم في وقت قصير على 340 ألفا بالقتل حرقا وصلبا، وبلغت بها البشاعة أن أمروا بإحراق فتاة حسناء بعد ما كشط لحمها وحرق عظمها لأنها كانت تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة[ النظرات 1/194]، وفي مصر عام 415م لما أغضبت الحسناء " هيباتيا" مؤلفة بعض الأبحاث العلمية زعيم المسيحية المصرية الأسقف كير لوس المتجبر أمر بقتلها بعد تعذيبها، فقبض عليها رجال الكنيسة وقتلوها بالقرميد ومزقوا جثتها وأحرقوها [ تاريخ الحضارات العام 2/ 629]، و هيباتيا هذه هي ابنة الرياضي ثيون.

إن وفاء قسطنطين مسلمة بحكم الواقع، وشهادة الحقائق والوثائق،فقد اختارت الإسلام دينا عن رضا وقناعة ،وآوت إليه عن رغبة واختيار حتى كان من أمرها ما كان، وأسلمتها الدولة والحكومة المصرية التي هي في ظاهر أمرها حكومة مسلمة أسلمتها إلى الكنيسة غير المؤتمنة على الأخلاق؛ والدماء؛ والأعراض ؛وفق ما ثبت في حقها على مدار الأزمنة والدهور، يقول الأستاذ" رولان موسنيه" :" من يدقق في السجلات الرسمية والصكوك والوثائق والأضابير الكنسية تعتره الدهشة لكثرة ما تقع منه العين على الدعاوى والقضايا المقامة على رجال الدين لأخلاقهم الفاسدة وتصرفاتهم السيئة،فالسكر؛والعربدة؛ يأتي في مقدمة هذه الموبقات... وكم من الأحكام صدرت على كهنة أو رجال من الإكليروس لاستخدامهم فتيات أو شابات مشكوك بفضائلهن" [تاريخ الحضارات العام 4/71].

ومع معرفة الأزهر الرسمي بتلك الحقائق وغيرها فقد خرص على جريمة تسليم السلطات المصرية لامرأة مسلمة إلى مجزرة ومحرقة الكنيسة المصرية وصمت صمت القبور، فضيع بذلك الأمانة، وخان الرسالة، بعد أن خذل قضية التعليم الديني في مصر؛ وسكت على إباحة بعض موظفيه فوائد وربا البنوك، وأهدر حق العفيفات المسلمات بفرنسا في لزومهن شريعة الحجاب.

هذه واحدة.

والثانية : أن الحكومة المصرية وشأنها أنها حكومة مسلمة لأمة مسلمة دينا وثقافة ،وحضارة قد خذلت الدين الذي عليه يتأسس أمر قيامها وبقائها، وذلك باستجابتها لرغبة الإدارة الكنسية المصرية في منازعتها حقها؛ وموافقتها لها على مشاركتها سلطاتها التي من المفترض أنها عليها مؤتمنة من الأمة لصالح المسلمين و إخوانهم من أهل الكتاب ، فقبلت من الكنيسة عرضها المهين الذي صوره الفقيه والقاضي والمؤرخ المصري العلامة المستشار طارق البشري بقوله" لقد قالت الكنيسة للدولة أعطني قطعة من استبدادك فأعطتها الدولة قطعة من استبدادها" وصار من حقها المزعوم أن تسلم لها الدولة من تطلبه الكنيسة من النصارى المشكوك في ولائهم لإدارة الكنيسة المتمثلة في هيمنة البطريرك وحده الذي يتحلَّق حوله من يتعاملون بمشيئتهم من خلال إرادته التي لا ترد؛ وبغير تبعة على أي منهم مما يضاعف من فوات الرشد الدنيوي في التصرف . الأسبوع 10/1/2005م.

وبذلك يكون من المتحقق أن الدولة المصرية هزمت الدين بخذلانه ،

والأعراف والأخلاق المهنية و الوظيفية بالانقلاب عليها، والأمة بالتآمر عليها في أعز ما تملك، واستوجبت بذلك النهوض لها بكل سبيل ممكن دفعا للشر الأعظم الآتي على الأمة ، والذي من شأنه أن لا يبقي ولا يذر ، فليس بعد خيانة حق الدين والتلعب بحرمته من قيمة تطلب،أو قدر يحترم،أو منزلة تراعى.

ثالثا :إن الذين أسلموا الشهيدة وفاء وأخواتها لهذا المصير المنكي قد ثبت بحقهم حكم المرتدين على وفق ما ذهب إليه الجمهور .

رابعا:

وحيث إن حق الدين والجماعة لايسقط بحال، وقد رجع هذا الحق بهذه الخيانة في صيانة معالمه إلى عموم الجماعة التي خاطبها القرآن الكريم بقوله تعالى( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) ، فإننا نطلب منها باسم الله الذي افترض على العلماء القيام على حق دينه بالنصيحة فيه لله؛ ولرسوله؛ ولأئمة المسلمين وعامتهم نطلب ما يلي من الممكنات لدينه ولعباده مسلمين وغير مسلمين:

1- إحياء حق الشهيدة وفاء قسطنطين شكلا وموضوعا، وذلك برفع اسمها ووصفها على ما يرزقون من البنات .

2- كذلك رفع ذكرها وإعلان اسمها على كل وسيلة ممكنة من وسائل الدعوة إلى الله والبيان ،بدءا من المواقع الالكترونية، ودور العبادة والتعليم، ثم بالطرقات، والقاعات، والميادين؛ والمحاضرات ؛والخطب والدروس.

3- استنهاض همم أصحاب البيان ومؤسسات الإعلام للمطالبة بحق الشهيدة وفاء وأخواتها ومن أضير بسببها من صحفيين وإعلاميين ورجال أمن و شرطة.

على أنه مما لا يخفى أننا مع واجب الاستنهاض لتلك الجرائم لم يتغير ولن يتغير عندنا شيء من ثوابتنا مع المنصفين والمسالمين من إخواننا أهل الكتاب الذين أبيحت لنا مؤاكلاتهم والإصهار إليهم والانتفاع ومشاركتهم تجاربهم، بل ومواعظهم، فقد صلى سلمان الفارسي وأبو الدرداء يوما ببيت نصرانية- على ما ذكر ابن القيم-،فقال لها أبو الدرداء "هل في بيتك مكان طاهر فنصلي فيه؟"، فقالت " طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما" فقال سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما" خذها من غير فقيه"، ولما قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجابية استعار ثوبا من نصراني حتى خاطوا له قميصه وغسلوه، إغاثة اللهفان 1/153.

( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب).

صدر عن جبهة علماء الأزهر الشريف عصر الاثنين 8من رمضان 1429هـ الموافق 8من سبتمبر 2008م






الثلاثاء، 12 أغسطس 2008

السعادة خير دواء

جهاد الخازن الحياة - 26/07/08
ماذا يُسعد السعودي؟ لا أعرف تحديداً، إلا ان استطلاعاً عن السعادة حول العالم وضع المملكة العربية السعودية في المرتبة 26 من بين 99 دولة شملها الاستطلاع، وتقدمت بذلك على الدول العربية الأخرى في القائمة، وهي: الأردن (57) والمغرب (68) والجزائر (72) ومصر (74) والعراق (93).العراقي أسعد من الزيمبابوي الذي احتل المرتبة الأخيرة، ولا عجب في ذلك، فالتضخم في زيمبابوي بلغ تسعة ملايين في المئة (لا خطأ مطبعياً هنا)، وبيضة الدجاج ثمنها ثمانية ملايين دولار زيمبابوي، وورقة العملة من فئة 50 بليون دولار محلي تعادل ثلث دولار أميركي، أما اليانصيب الوطني فجائزته الكبرى هي 1.2 كوادرليون دولار (زيمبابوي طبعاً لا أميركي) أو أربعة آلاف دولار أميركي. وقرأت في القاموس أن كوادرليون هو واحد وبعده 24 صفراً، وهو في بريطانيا وألمانيا، أما في بقية العالم فالكلمة سبتليون، إلا أنها تتألف من واحد في أميركا وفرنسا يتبعه 15 صفراً فقط.الدراسة التي أجرتها جامعة ميشيغان تحت إشراف البروفسور رون انغلهارت سبقت زيادة أسعار النفط، فلا أعتقد بأنها وراء سعادة السعودي، كما سبقت زيادة أسعار المواد الغذائية التالية، فلعل مرتبة المصري كانت هبطت على سلّم السعادة لو أُجري استفتاء آخر غداً.أسعد أهل الأرض هم في الدنمارك، والسعودية متأخرة عن أميركا (16) وبريطانيا (21)، إلا أنها أسعد من البرازيل (30) والأرجنتين (32) وألمانيا (35).ماذا يُسعد القارئ؟ بانتظار جوابه أقول إنه يسعدني أن أكون بليونيراً يحسده بيل غيتس ووارن بافيت على ثروته، إلا أنني أعتقد بأن تحقيقي هذه الأمنية مستحيل إلا إذا هاجرت الى زيمبابوي، غير أن النتيجة ليست مضمونة، فالبطالة هناك 80 في المئة.كنت قبل سنوات أتابع في الصحف الإنكليزية اللغة رسماً كاريكاتورياً على عمود واحد عنوانه «السعادة هي...» والرسم يمثل بقية العبارة ذلك اليوم، فقد تكون «قدمان أمام المدفأة في الشتاء»، وقد تكون «العثور على قرط حلق ضائع».وقرأت أخيراً تفاصيل دراسة أجرتها كلية الصحة العامة في جامعة لندن وقررت أن «السعادة خير دواء»، مع انني كنت صغيراً أقرأ في مجلة «ريدرز دايجست» (المختار) زاوية بعنوان «الضحك خير دواء»، ولعلهما شيء واحد فالإنسان لا يضحك إلا إذا كان سعيداً... أو مجنوناً. وربما قلبت الموضوع فقلت إن التعاسة هي الرغبة في الأشياء، وعدم الحصول عليها، فهذا في أساس تعاليم البوذية، وأقول: مبارك الذي لا يريد شيئاً لأن أمله لن يخيب.طبعاً، هناك أشياء يشترك فيها أكثر الناس كسبب للسعادة، مثل المال، وربما أن تقول امرأة ان سعادتها في أن تخسر عشرة كيلوغرامات من وزنها، أو يقول رجل ان سعادته في أن يحصل على ترقية في العمل.سألت صديقاً ماذا يجعله سعيداً؟ وفكر وقال: دولة فلسطينية، وقلت إنه لا يبدو لي أنه سيسعد قريباً، وسألته عن شيء آخر فقال: سندويش فلافل آكله في جنينة الصنايع. وهو كان يشير الى سنوات المراهقة، عندما كنا نستأجر دراجات نارية صغيرة قرب الحديقة هذه في بيروت، ثم نشتري سندويش فلافل بربع ليرة، وزجاجة كازوزة جلول، ونذهب الى الحديقة.السعادة هي أن تقوم بعمل تعرفه وتحبه، هي عطلة نهاية الأسبوع، أو العطلة السنوية، الابن البكر، دخول بنتك الجامعة، تخرجها، زواجها، أن ترزق البنت بأولاد (ما أعز من الولد إلا ولد الولد)، بطيخة صيفي... في الصيف وحمراء، بوظة مشكّلة بنكهة الشوكولا والكرز والمانغو، نهاية نوبة زكام، النجاح في الفحص الطبي السنوي، شراب جوافا مثلج، فنجان قهوة الصباح، فنجان قهوة مع حب الهال، رائحة الجلد في سيارة جديدة، السير على شاطئ البحر في أمسية مقمرة، يدان متشابكتان، بطيخ أحمر (أعرف انني طلبته من قبل، غير انني أحب البطيخ الأحمر)، ألوان زهر الربيع، ألوان ورق الخريف، ربيع العمر... ألاّ تقرأ الأخبار العربية...السعادة حيّرت الفلاسفة، من الذين سبقوا سقراط وحتى اليوم. وأرى أن قصيدة ابن سيناء العينية المشهورة كانت في السعادة لا النفس، على رغم إصرار أساتذتي على أن الشيخ الرئيس أراد إثبات النفس كجوهر روحاني مغاير للبدن. ربما كان كذلك إلا أن قوله: هبطت إليك من المحل الأرفع/ ورقاء ذات تعزز وتمنّع، ينطبق على السعادة أيضاً.أسعد الله أوقات القراء جميعاً.

الثلاثاء، 29 يوليو 2008

هذا هو المحك الحقيقى لتطبيق الشريعة، فأين نحن منه؟

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا هو المحك الحقيقى لتطبيق الشريعة، فأين نحن منه؟

إماطة الأذى عن الطريق صدقة!

د. إبراهيم عوض

كلنا ندَّعِى حب الرسول، وكثير منا يطلقون لحاهم ويقصّرون جلابيبهم، و عدد كبير من النساء والفتيات يتنقبن، والباقيات يغطين شعورهن وصدروهن وأذرعهن وسيقانهن، وكلما سألْنا أحدا عن أى شىء حتى لو كان من قبيل: ما اسمك؟ وأين تسكن؟ كان جوابه: اسمى بعجر الزعبلاوى إن شاء الله، وأسكن الخانكة إن شاء الله، وتغديت سريسا وجعضيضا إن شاء الله، وإذا جاء ذكر أحد الموتى قلنا: فلان المرحوم إن شاء الله، وهو ما يذكّر بجحا ونكتته التى يقول فيها: "الحمار ضاع إن شاء الله". كما أننا لا نكف عن الولولة إذا مس أحدٌ رسولَنا الكريم بكلمة أو رَسَمَه رسما مسيئا... لكن، وآه من لكن! لكن إذا كنا نحب رسولنا كل هذا الحب الذى يتخذ فى بعض الأحيان مظهرا مضحكا لا علاقة له بالمنطق كما فى بعض الأمثلة السابقة، فلماذا كانت شوارعنا وبلادنا بهذه القذارة التى أضحت مضرب الأمثال؟ الجواب السريع يقول إننا ما دمنا نحب رسولنا كل هذا الحب ونحرص على تطبيق كل ما يقول إلى الحد الذى أومأتُ إليه، فمعنى ذلك أن هذه القذارة التى تَسِم كل شىء فى حياتنا دون بلاد الدنيا بميسم الخزى والهوان والتبلد والتنطع إنما هى من أثر ذلك الحب الذى نحبه رسولنا العظيم الكريم. وإلا فكيف نفسر الأمر؟ أَفْهِمونى بعقلٍ إن كنتم صادقين!

إن ديننا هو الدين الوحيد الذى يدعو إلى النظافة والسكينة والجمال مثلما هو الدين الوحيد الذى يدعو إلى جميع القيم الحضارية، سابقًا فى ذلك سبقًا عجيبًا أمم الحضارة العريقة جميعا، ومع هذا فالمسلمون يأتون دائما فى الفترة الحاليّة من تاريخهم فى ذيل الأمم المتحضرة، بل فى كثير من الحالات دون الذيل بمراحل. ومن ذلك أمور النظافة فى بلادنا العزيزة التى نغنى لها الأناشيد الوطنية وتهز الفتيات المغنيات أردافهن وصدورهن ويأتين الحركات المثيرة على المسرح وهن يتراقصن مع الشبان الذين يشاركونهن الأناشيد تعبيرا عن مشاعرهن ومشاعرهم الوطنية الحارقة المؤلمة بل القاتلة، ومع هذا لا نحاول أن نبذل ولو دقيقة واحدة فى تنظيفها وتجميلها، بل كل نشاطنا واجتهادنا ينصب على توسيخها وتشويهها، وكأن رسولنا قد أمرنا بالوساخة أمرًا، وأغرانا بها إغراءً، وشدد عليه الصلاة والسلام فى أنّ وَضْع الأذى فى الطريق صدقة، وأن من وسَّخ شارعا وألقى فيه الحجارة والمسامير والزبالة وبقايا الطعام وفضلات البشر وحفر فيه المطبات وكشف أغطية البلاعات وعرّى أسلاك أعمدة النور وخرّب صناديق التليفونات وكسّر بلاط الأرصفة، أو أحدث ضجَّة مزعجة بالصياح المنفر والشتائم المقذعة وأبواق السيارات والحافلات وعربات النقل التى تخرق طبلة الأذن وتفسد الأعصاب وتحرق الدم وتصيب الناس بالضغط والسكر، أو شوَّه حيطان المنازل والمبانى الحكومية والحافلات والقطارات والمستشفيات والمدارس والجامعات وجلب الكآبة إلى النفوس، أو رمى جثة حيوان نافق فى الطريق يتهافت عليها الذباب والكلاب وترسل النتانة فى كل الأرجاء وتقلب المعدات وتسبب الغثيان والقىء، فله الفردوس الأعلى!

لقد سبق أن قلت فى حوار لى مع أحد الصحفيين إننا نحن السبب فى الإساءات التى يحاول كلاب الغرب النيل فيها من رسول الله لأن كل شىء نصنعه ينفر الآخرين منا ويجعلهم يحتقروننا ويبغضوننا ويبغضون كل ما يتصل بنا، ولا أظن الله إلا سائلنا ومحاسبنا على هذا ومذيقنا جَرَّاءه من النكال والوبال فى الآخرة ما لا يخطر على بال، فوق ما أذاقناه ويذيقناه الآن. ذلك أنه ما من شىء يفعله الإنسان فى دنياه يمر دون حساب، إلا أن المتبلدين الهمج لا يفقهون. وكيف يفقهون، وهم لا عقل لهم ولا ذوق ولا لياقة، ويظنون الحياة سبهللا قياسا على الأسلوب الذى يعيشون به حياتهم، ناسين أن هناك أمما قد استطاعت أن تجعل من بلادها وشوراعها وبيوتها وكل شىء تمسّه أيديها جِنَانًا خُضْرًا تمتع العين وتريح الأعصاب ويسيطر عليها الهدوء والسكينة ولا يشم الإنسان فيها إلا أطيب ريح، فى الوقت الذى صيَّرْنا نحن حياتنا مجارى ومقالب زبالة كريهة المنظر والرائحة وتلويثا صوتيا بشيعا شنيعا منكَرا مستنكَرا، واجتهدنا وكافحنا فى هذا السبيل وكأننا نجاهد فى سبيل الله للفوز برضوانه سبحانه وتعالى؟

ألا نخجل؟ ألا نفيق مما نحن فيه من البلادة والاستنامة إلى القاذورات وألوان الضجيج والنتانة، بل التلذذ بها وكأننا نتقلب على أبسطة خَضِرَةٍ نَضِرَةٍ فى حدائق غناء تنفَح بالعبير وتصدَح بزقزقة العصافير وأسجاع البلابل فتهدهد الأعصاب وتغرقنا فى بحر من السعادة إغراقا؟ أين نحن من رسول الله الذى ندعى حُبَّه؟ وأين هو منا؟ إننا وإياه على طرفى نقيض، ولا ينبغى أن نخدع أنفسنا ونزعم أننا نحبه، فهذا زعم غير مقنع، إذ الحب بالأفعال لا بالأقوال، وإلا فكلٌّ يَدَّعِى وَصْلاً بلَيْلَى، لكن المهم أن يتصرف بناء على هذا الحب وما يقتضيه حتى لا يأتى يَوْمَ القيامة مكتوبا على جبهته بخط الثُّلُث العريض الذى يراه الخلائق أجمعين: كاذبٌ منافقٌ يستحق الحرق! أذلك هو الإسلام الذى جاء به الرسول الأعظم؟ أعوذ بالله! إن هذا لهو الإفك المبين!

أليس مهينا لنا أن نستعين، ونحن لسنا بالدولة البترولية المترفة، بشركات أجنبية لتنظيف شوارعنا ومطاراتنا، ثم نفشل مع ذلك فى تنظيفها؟ إننى لأتصور أن تلك الشركات قد أصابها ما نتمتع نحن به من بلادة وحب للوساخة، ولهذا فإنها بعد قليل تصيبها العدوى وتجنح إلى الكسل فتترك الأمور على ما هى عليه من قذارة وإهمال وفوضى مطمئنة إلى أننا لن نشكو ولن نئن؟ وكيف نشكو ونئن، وكل تصرفاتنا وأذواقنا تقول بملء صوتها إننا نعشق القذارة عشقا جنونيا؟ إن هذا لهو غاية الإهانة من تلك الشركات لنا. لكنْ "مَنْ يَهُنْ يسهل الهوان عليه!"، ونحن قد هُنّا على أنفسنا فهنّا فى نظرها، إذ هى تعرف أننا لن نفتح فمنا بكلمة، بل لن نتأفف حتى فيما بيننا وبين أنفسنا. لقد تبلدت المشاعر وفسدت الأذواق، ولم نعد نبالى بأمور النظافة ولا ما تجلبه القذارة من أمراض وعدوى وما تسببه من ألوان الأذى للعيون والأنوف! أما الضجيج والعجيج والصراخ والصياح والزمر والطبل والنهيق والصهيل وكل ما تتخيله وما لا تتخيله من ضروب التلوث السمعى فلم يعد يلفت منا الانتباه. لقد فقدنا كل ما يربطنا بالأمم المتحضرة الحساسة. وإنى لأشعر شعورا قويا أننا الآن فى مرحلة انتحار حضارى، وأدعو الله أن يسترها علينا، وإن كنت أشك كثيرا فى أن يستجيب سبحانه، فنحن ندعوه منذ قرون أن يخلصنا مما نحن فيه دون أن تكون هناك استجابة لتلك الأدعية، إلا أن تكون فى الاتجاه المعاكس حتى إن الاحتلال الأجنبى قد عاد مرة أخرى لعدد من البلاد العربية والإسلامية بوجهه العسكرى أشنع مما ذقناه من قبل. أليس كذلك؟

أذكر أننى كنت أقود سيارتى فى منطقة راقية فى القاهرة منذ عدة سنين، وكانت هناك بقايا أمطار، وفجأة وجدت نفسى، رغم حذرى الشديد فى القيادة خوفا من مفاجآت الشارع السخيفة بل الكارثية فى بلادى، وقد انزلقت عجلة السيارة الأمامية فى بالوعة مفتوحة كانت مياه بقايا المطار تغطيها، وألفيت نفسى فى حيص بيص، وأخذت أضحك من الهم أنا وصغيرتى التى كانت معى وقتذاك. ولولا أن الله قيّض لنا بعض الشبان المارين من هناك فحملوا السيارة وأخرجوا العجلة من البالوعة لما عرفت كيف أتصرف. وسبق أن اصطدمت قبلها فى ذات المنطقة بغطاء بلاعة نصف منتصب اضطررت إلى الاصطدام به حتى أتجنب سيارة رعناء آتية من الخلف قد أطلق سائقها المتخلف بوقا فى أذنى لأفسح له الطريق جعلنى أهرب منه خشية أن يطيرنى، فكانت العاقبة أن مزق غطاء البلاعة الحديدى اثنين من إطارات السيارة بحشويهما فى الحال وكلفنى الأمر عدة مئات من الجنيهات ليلتها. وكم من أطفال وكبار وقعوا فى البلاعات المكشوفة فماتوا، أو لمسوا عمود نور مكهربا فصعقوا. وكم من مار فى الطريق دُلِقَتْ عليه من الشباك بقايا طعام أو أُلْقىِ َعليه عقب سيجارة. وكم من طالب منهمك فى مراجعة كتبه ودفاتره استعدادا للامتحان فى الصباح لم يستطع أن يستذكر دروسه لأن عند واحد من أهل المنطقة عرسا أو مأتما يزعج جميع الشوارع والحوارى بالمنطقة بمكبرات الصوت التى توقظ الموتى من قبورهم. ودعونا من الروائح الكريهة التى تحيينا فى كثير من الطرق العامة وعلى شطوط الأنهار ورؤوس الحقول صادرة عن النفايات المعروضة على العيون والأنوف أو جثث الحيوانات النافقة... وهكذا وهكذا مما يتعارض مع قول الرسول الكريم: إماطة الأذى عن الطريق صدقة. والذى يفوّر الدم أن هذا هو المحك الحقيقى الوحيد لاختبار مدى صدق الرغبة فى تطبيق الشريعة، وهو أمر لا يكلف شيئا ولا يؤدى إلى الصدام مع الحكومات الغبية، ومع هذا فكم من المسلمين والعرب يبالى بهذا الجانب العبقرى من تطبيق دين محمد عليه الصلاة والسلام؟ إن الأغلبية الساحقة تتصور أن تطبيقها إنما يقتصر على قطع الأيدى ورجم الزناة وضرب السكارى وما إلى ذلك. ترى لو بعث الرسول عليه السلام الآن ورآنا على هذه الحال التى لا تسر أحدا فماذا يقول عنا؟

الأربعاء، 9 يوليو 2008

جنود الطاغية .. والعقاب الجماعي بقلم دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

يقول الأستاذ هيكل في الحلقة الثامنة من تسجيلات قناة الجزيرة : " .. عندما كان الأمريكيون يحتاجون إلى درجات من التعذيب للمعتقلين يخشون معها من مواجهة عواقبها أمام شعوبهم ، فكانوا يرسلون هؤلاء المعتقلين إلى أجهزة أشد إجراما ، في أربع عواصم عربية هي : القاهرة / وعمان / ودمشق / والرباط .. حيث وصلت تكنولوجيا التعذيب [1] في هذه العواصم إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ ..!!!

ففي الواقع ؛ أصبح إذلال المسلمين وتدمير الإسلام يتم بأيدي أنظمتها الديكتاتورية الحاكمة ، وإذا كان ثمن الوصول إلى السلطة فيما مضى كان يتم بالغدر والخيانة وتلطيخ الأيدي بدماء الشعوب ، فإن ثمن الوصول إلى السلطة في العصر الحديث أصبح .. ليس فقط بالغدر والخيانة وتلطيخ الأيدي بالدماء .. بل للعمالة ـ للصهيو/مسيحية ـ ومعاداة الإسلام ..!!! فالعمالة ومعاداة الإسلام أصبحتا من الأمور الأساسية التي يفرضها فكر وطبيعة الدول التي تملك القوة والسيطرة ( الولايات المتحدة وإسرائيل ) على الأنظمة الحاكمة في عالمنا الإسلامي في الوقت الحاضر ..!!! [ وللتفاصيل يمكن للقاريء المهتم الذهاب إلى مرجع الكاتب السابق : " السقوط الأخير : تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " ]


· جنود الطاغية غارقون في الوزر مع الطاغية ..

إن أكثر من يتحمل المسئولية مع الحكام الطغاة هم " أدوات السلطة " الذين يسميهم القرآن " الجنود " ويقصد بهم " القوة العسكرية " التي هي أنياب القوة السياسية وأظفارها ، وهي السياط التي ترهب بها الجماهير إن هي تمردت أو فكرت في أن تتمرد ، حيث يقول القرآن المجيد :

) .. إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) (
( القرآن المجيد : القصص {28} : 8 )

ولهذا كان العقاب يشمل الطاغوت وجنوده ..

) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) (
( القرآن المجيد : القصص {28} : 40 )

[ التفسير : ( فأخذناه ـ أي أخذنا فرعون ـ وجنوده فنبذناهم ) طرحناهم ، ( في اليم ) البحر المالح فغرقوا ، ( فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) حين صاروا إلى الهلاك ]

فهذه هي عاقبة الظالمين ( الطاغوت وجنوده ) في الدنيا .. أما عقابهم في الآخرة فيأتي في قوله تعالى ..

) وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (43) وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ [2] وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (52) (
( القرآن المجيد : إبراهيم {14} : 42 - 52 )

ولا بد من التنبيه إلى .. أنه لا معنى لقول جنود الطاغية بطاعة السادة والكبراء ، فلا عذر لهم ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولهذا يأتي قوله تعالى للرد على هذه الذريعة :

) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) (
( القرآن المجيد : الأحزاب {33} : 66 - 68 )

وقد حملت السنة النبوية الكريمة على الحكام والأمراء الظلمة والجبابرة ، الذين يسوقون الشعوب بالعصي الغليظة ، وإذا تكلموا لا يـرد أحد عليهم قولاً .. بأنهم سوف يقحمون في نار جهنم .. فعن معاوية أن النبي ( r ) قال [3] :

[ ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم قولهم ، يقاحمون في النار كما تقاحم القردة ]

يقاحمون في النار .. أي يدخلهم الله ( U ) النار عنوة ..!!! وليس هذا فحسب بل سوف يسكنهم الله ( U ) في قاع جهنم والعياذ بالله .. فعن أبي موسى أن رسول الله ( r ) قال [4] :

[ إن في جهنم واديًا وفي الوادي بئر يقال له هبهب ، حق على الله أن يسكنه كل جبار عنيد ]
كما نددت السنة الكريمة بالأمة التي ينتشر فيها الخوف ، حتى لا تستطيع أن تقول للظالم : يا ظالم ..!!! فعن عبد الله بن عمرو مرفوعًا .. قال رسول الله ( r ) [5] ..

[ إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم .. فقد تودع منهم ]

وتودّع منهم : تعني صالحهم وسالمهم وأثني عليهم وأصبح منهم .. والحديث يعني ـ في مجمله ـ أن عدم مواجهة الظالمين تكون سببًا كافيًا لإلحاق اللعنة بالمجتمع ونزع الخيرية منه .

هذا ؛ وقد حملت السنة الشريفة على الذين يمشون في ركاب الطواغيت ، ويحرقون البخور بين أيديهم ، بأنهم من الهالكين .. فعن جابر أن النبي ( r ) قال [6] :

[ يا كعب بن عجرة أعاذك الله من إمارة السفهاء قال وما إمارة السفهاء ؟ قال أمراء يكونون بعدي يهدون بغير هداي ويستنون بغير سنتي ، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم ، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردون علي حوضي ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم وسيردون علي الحوض ، يا كعب بن عجرة الصوم جنة ، والصدقة تطفئ الخطيئة ، والصلاة برهان ، يا كعب بن عجرة الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها ، وبائع نفسه فموبقها ]
وقد كشف القرآن المجيد عن تحالف دنس بين أطراف ثلاثة خبيثة ..
الأول : الحاكم المتأله المتجبر في بلاد الله ، المتسلط على عباد الله ، ويمثله فرعون .
والثاني : السياسي الوصولي ، الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطاغية ، وتثبيت حكمه ، وترويض شعبه للخضوع له ويمثله هامان .
والثالث :الرأسمالي أو الإقطاعي المستفيد من حكم الطاغية ، فهو يؤيده ببذل بعض ماله ، ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه، ويمثله قارون .

ولقد ذكر القرآن المجيد أن هذا الثالوث المتحالف على الإثم والعدوان ، عادة ما يقف في وجه رسالة الرسل والأنبياء ، كما جاء في قوله تعالى :

) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) (
( القرآن المجيد : غافر {40} : 23 - 24 )

وبهذا ؛ يستحق هذا الثالوث الخبيث ( الحاكم الطاغية ، والسياسي المنافق ، والإقطاعي المستفيد من حكم الطاغوت ) عقاب المولى ( U ) .. فيأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ..

) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) (
( القرآن المجيد : العنكبوت {29} : 39 - 40 )

[ وما كانوا سابقين : أي فائتين من عذابنا . وقيل ما كانوا سابقين : أي ما كانوا سابقين في الكفر ، بل سبقهم للكفر قرون كثيرة فأهلكناهم ]

والعجيب أن قارون كان من قوم موسى ، ولم يكن من قوم فرعون ، ولكنه بغى على قومه ، وانضم إلى عدوهم فرعون ، وقبله فرعون معه ، دلالة على أن المصالح المادية هي التي جمعت بينهما ، برغم اختلاف العروق والأنساب .

كما ربط القرآن الكريم بين الطغيان وانتشار الفساد .. وهو سبب هلاك الأمم ودمارها .. كما جاء في قوله تعالى :

) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) (
( القرآن المجيد : الفجر {89} : 6 - 14 )

وهكذا ؛ فجزاء طغيان الحاكم وشيوع الفساد هو هلاك الأمم ..


· فقهاء النفط .. وفقهاء السلطة ..

عقب موت الملك فهد ، وتولى أخيه الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في الأول من أغسطس 2005 م. لم يتردد الاعلام السعودي .. وما يسمي بـ " علماء الدين " من إجراء مقارنات تاريخية تعرض على الشاشات التلفزيونية هدفها ترسيخ مفهوم البيعة الإسلامية للنظام السعودي وإقناع الجمهور بأن هذه البيعة التاريخية التي تحصل في القرن الواحد والعشرين ما هي إلا الامتداد لممارسات المسلمين الأوائل ..!!!

وتحت عنوان : " النمط اليهودي للإسلام السعودي المفرغ من جوهره " .. تقول الدكتورة مضاوي الرشيد ـ أستاذ علم أصول الأديان / جامعة لندن ـ في مقال لها نشر في جريدة القدس العربية بتاريخ 15/8/2005 .. عن هذه البيعة :

" .. لقد وصلت الوقاحة الفكرية والاستهزاء بالمسلمين .. وبالانبياء .. وبالتاريخ القديم إلى درجة إجراء مقارنة بين بيعات الأنبياء وبيعة حالية لا تعتمد على أي بعد تاريخي أو شرعي .. فمنذ متى كان المسلم يبايع أسرة أو أفرادها بالجملة .. وفي أي نص ديني ثبتت بيعة القياصرة والملوك ..!!! لقد فرغت السعودية البيعة من مفهومها ولم يبق منها الا الطقس الديني ..!!! إن استغلال النظام السعودي للدين وشرعيته نجح في تحويل دين سماوي جمع بين جوهر عالمي يصلح لكل زمان ومكان ، وطريقة حياة نظمتها قوانين وقيود معروفة للجميع ، إلى دين يختزل في ـ مجرد ـ طقوس دينية تعرض على الجميع .. وبهذا التحول استطاع النظام السعودي أن يقرب بين الإسلام الممارس في السعودية والدين اليهودي المعروف بأنه نمط واضح من أنماط الديانات التي يغلب فيها الطقس الديني على كل شيء آخر ..

وهكذا ؛ استطاع النظام السعودي أن يحول الدين الإسلامي إلى طقوس سياسية بحتة ، مهمتها الأولى والأخيرة ترسيخ شرعية نظام ـ غير شرعي ـ بطريقة مرئية تكون أقوى بكثير من قدرة الكلمة على فعل هذه المهمة .. " .
( انتهى )

والمعروف في السعودية أن الزواج والطلاق والإرث وربما بعض السرقات التافهة والأمور الاخلاقية كلها تخضع للشريعة الاسلامية ، أما الأمور التجارية والاقتصادية فتخضع لسلسلة من الأنظمة الوضعية المرتبطة بمراسيم ملكية ومصالح أمراء آل سعود ، وكذلك مؤخراً القضايا الاعلامية حيث لها محاكمها الخاصة بها وهلم جرا . وهكذا ؛ يفصل النظام السعودي بين الدين والدولة ، فالدين يبقي مطبقاً اجتماعيا فقط ، أما شؤون الدولة الاقتصادية والسياسية فهي تدار دون اعتبار للدين .. وهو ما يعني أن النظام السعودي أثبت علمانيته سياسيا .. على الرغم من أنه لا يصرح بهذا علنا مثل بعض الأنظمة العربية ..

وقد لعب فقهاء النفط ( أنظر فتوى الشيخ بن جبرين / الشيعة والمذهب الشيعي ) ، دورا خطيرا في واقع المسلمين لصالح القوى الحاكمة في الخليج والسعودية ، والذين يعدون امتدادا لفقهاء الأمس الذين واكبوا الأمويين والعباسيين والأيوبيين والمماليك والعثمـانيين وغيرهم وباركوا ممارساتهم وسياساتهم باسم الإسلام .. وهو ما أدى إلى الإسلام الانهزامي الذي يحاول البعض فرضه علـى واقـع المسلمين ومحو صورة الإسلام الحق من الوجود . فعلى مر الزمان كانت نصوص السمع والطاعة هي السلاح الذي يشهره فقهاء السلاطين في وجه كل فئة إصلاحية تحاول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد أوقعت مثل هذه النصوص الحركة الإسلامية المعاصرة في مآزق فكرية وحركية كثيرة جعلتها سهلة الاحتواء والإجهاض من قبل القوى الحاكمة المتربصة بها ..!!!

· الانظمة الطاغوتية .. وتهميش المؤسسات الدينية ..

وفيما يلي نعرض لأهم أسباب تهميش واحتواء دور المؤسسات الدينية المصرية ( وما يجري في مصر يجري في باقي الأنظمة العربية وإن اختلفت مسميات المؤسسات الدينية ) ..

أولا : عدم استقلالية علماء الأزهر ( أي علماء الدين ) مالياً وحل الأوقاف الأهلية ، مما أضعفهم وجعلهم مرتبطين بالحكومة أي بالنظام الحاكم . فقد قضى جمال عبد الناصر على دور الأزهر وجعله مقعداً كسيحا لا يستطيع حراكاً .. بإصدار قانون حل الأوقاف الأهلية - القانون رقم 152 / 1957 ـ الخاص باستبدال الأراضي الزراعية الموقوفة على جهات البر العام ، وتسليمها للجنة العليا للإصلاح الزراعي ، وبهذا تم القضاء على أهم مصادر تمويل المؤسسة الدينية . وبهذا أصبحت الدعوة الإسلامية بلا سند مادي ترتكز عليه ..!!! الأمر الذي أثر بصورة واضحة ومباشرة على استقلال علماء الدين مادياً وفكرياً . وهكذا ؛ أصبح النقد أو المعارضة من جانب رجال الدين لا تعني سوى انقطاع سبل عيشهم .. وفقدان وظائفهم .. والأمثلة على هذا كثيرة ..!!!

ومن السخريات ؛ لم تطبق هذه القوانين على أوقاف الكنائس حيث ترك لكل كنيسة أوقافها في حدود مائتي فدان ومازاد عن هذا كانت الدولة تأخذه وتدفع ثمنه بسعر " السوق السوداء " وهو ما أدى في السبعينات لمناداة عدد من الأصوات بمساواة أوقاف المسلمين بأوقاف المسيحيين ..!!!

ثانيا : تدخل السلطة في تعيين شيخ الأزهر ( علماء الدين ) وكل المناصب العليا في الأزهر . ويتم الاختيار ـ أولا وأخيرا ـ من منظور مدى الولاء للسلطة ، ويكفي أن يعترف شيخ الجامع الأزهر الحالي في مصر ـ محمد السيد طنطاوي ـ بأنه موظف لدى السلطة ..!!! والمعروف أن الموظف ملتزم بشرع ولي نعمته .. وهو الذي يصر ـ دائما ـ على ترويض القرآن الكريم والسُنة الشريفة لمجاملة الحكومات الغربية والحصول على رضا السلطة ..!!! وكمثال آخر لفقيه السلطة ( وهو العالم الذي باع آخرته بدنياه ) الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهر في الفترة [ 1954 – 1958 ] ؛ فهو الذي أصدر فتواه الشهيرة بأحقية الدولة في التجريد من شرف المواطنة ـ سحب الجنسية ـ وكان يقصد بهذه الفتوى اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر بعد النظام الملكي ( أنظر المقال السابق : الزعيم جمال عبد الناصر / الوجه الآخر ) ..!!!

السبب الثالث : انتشار مذهب الإرجاء ( أنظر الملحق الثاني ) ، وشيوع التصوف في العالم العربي والإسلامي . ومن لوازم هذا المنهج التواكل وعدم الخروج على الحاكم مهما بلغ ظلمه وقد خدم مذهب الإرجاء الحكام على مر العصور أيما خدمة .. من تسكين الجماهير وتخديرهم وكانت النتيجة ( دع الملك للمالك ) وقد سرى هذا المذهب في جسد الأمة حتى صارت مرتعاً لتسلط الحكام ..!!! وسلوك حكام المنطقة خير شاهد ..!!!

السبب الرابع : وجود طابور خامس من علماء الدين يعملون لحساب النظام مع بث الفرقة ونشر الشائعات عن العلماء الذين لا يسيرون في فلك المنظومة السلطوية . فبعد أن صارت مرتبات العلماء وكادرهم الوظيفي بأيدي الحكومة سهل على النظام اختراقهم وتجنيد بعض النفوس الضعيفة من العلماء .. فراحوا يكتبون التقارير السرية ضد توجهات زملائهم القكرية والسياسية والتي توصي بإيقاف شيخ واعتقال آخر وتلميع ثالث ..!!! بل أن هذا الأمر معمول به في الجمعيات الخيرية الشرعية التابعة لوزارة الشؤون الإجتماعية فهناك بين أعضاء مجالس إدارات هذه المؤسسات الإسلامية من يعمل لصالح الأمن ويرسل التقارير الأمنية عن نشاط زملائه المشايخ ، مما تسبب في فصل بعض العلماء من قيادة هذه الجمعيات .. وأحدث الفرقة بين المشايخ ..!!!

السبب الخامس : تركيز وسائل الإعلام الحكومية على رسم صورة نمطية ساخرة لرجل الدين ، مما أدى لاهتزاز صورة عالم الدين في قلوب وعقول الأجيال المتعاقبة ( أذكر على سبيل المثال مجلة روز اليوسف المصرية ؛ كانت تخصص كاريكاتورا بعنوان " الشيخ متلوف " تسخر به من رجل الدين الإسلامي وهو بزيه الرسمي ) ..!!! وقد كان ، لكل هذه الاسباب مجتمعة ، أسوأ الأثر في شخصية عالم الدين ، وعلى طريقة تفكيره الشرعية وفتواه ..!!!


· ثقافة شعوب ومجتمعات العار .. والعقاب الجماعي ..

بمراجعة التاريخ .. نجد أن أول حاكم مسلم تحدث عن وظيفته كان الخليفة الراشد أبو بكر الصديق ( 11 هـ ) ، الذي قال : " وليت عليكم ولست بخيركم إن رأيتم خيرا فأعينوني وإن رأيتم شرا فقوموني ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " .

ثم يأتي من بعده الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ( عام 20 هـ ) .. فوقف خطيبا على منبر الرسول ( r ) في المدينة ، وتحدث عن دور الرعية في صلاح الحاكم وإصلاحه فقاطعه إعرابي قائلا : " والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بالسيف يا عمر " .. فانبسطت أسارير عمر ، وتوجه إلى الله حامدا وشاكرا ، وذكر كلمته المشهورة : " الحمد لله الذي جعل من رعية عمر ، من يقوّمه بحد السيف إذا أخطأ .. "

وهكذا إذا طغى الحاكم على الرعية بعد هذا فالرعية تصبح هي المسئولة المسئولية المباشرة .. في عدم تقويم الحاكم ..!!! ولهذا ؛ أصبح من المعروف جيدا .. ومن الأمور المتفق عليها .. أن الشعوب هي التي تصنع الحكام الطغاة ..!!!

فالإمامة في الإسلام هو عقد مشروط ، طرفاه الحاكم من ناحية ، والجماعة من ناحية أخرى . ولا ينعقد إلا بإيجاب أفراد الأمة أو ممثليهم ؛ والقبول من جانب الحاكم . وهو عقد مشروط بإقامة الدين ، وتحقيق العدل ، ونشر الأمن ، وتحصين البلاد ، وحفظ النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وعدم أخذ المال بالباطل ، والرجوع إلى أهل الشورى فيما لم يقطع به القرآن والسنة برأي . فإذا أخل الحاكم بشروط عقد الإمامة ، فإن ذلك يمنع من استدامة العقد . وقد أقرت الشريعة الإسلامية مبدأ تقييد سلطة الحاكم ومسئوليته عن عدوانه وأخطائه ، وعن كل عمل يتجاوز به سلطانه ، أو يخرج به عن حدود الولاية . فإذا ثبت تعمد الحاكم العدوان فإنه يكون بذلك مرتكبا لجريمة الخيانة في حق الأمة ، وجاز لممثلي الأمة محاسبته عن كل ضرر يترتب عن عصيانه ، ومحاكمته وعقابه عن كل عدوان ينشأ كنتيجة لهذا العصيان . والإخلال بمقتضيات عقد الإسلام ، أو عقد الذمة ، أو عهد الأمان ، أو عقد الإمامة أو الحكم .. تقع كلها تحت مسمى " جرائم الحرابة " . [ ولمزيد من التفاصيل يمكن للقاريء المهتم الذهاب إلى مرجع الكاتب السابق : " السقوط الأخير : تاريخ الصراع على السلطة منذ ظهور الإسلام وحتى الوقت الحاضر " / الفصل الرابع : توريث الحكم وعقد الإمامة في الإسلام ]

وهكذا ؛ فالرعية ـ في الفكر الإسلامي ـ مسئولة مسئولية مباشرة عن سلوك الحاكم وعلاقته بهم .. وهم يحملون الوزر الأكبر في ظلم الحاكم لهم .. ولهذا فهم يبوءون بغضب الله وعذابه ..!!! فعن رسول الله ( r ) قال [7] ..

[ إنه من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة فنهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس فلما رأى الله تعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض على لسان داود وعيسى بن مريم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء ولتأطرنه على الحق أطرا ( أي تجبروه وتقيدوه على فعل الحق ) أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم ]

أو كما قال رسول الله ( r ) [8] عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) :
[ قال لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم ]
ونعود إلى ثقافة العار حيث يشعر الفرد بالجرح وبالجزع وبالمهانة فقط إذا تم كشفه أمام أهله أو أمام العالم . أو بمعنى آخر أن الفرد يشعر بالعار إذا كشفت فضيحته أمام الغير . وفي عالمنا العربي المعاصر كشفت أنظمتنا الحاكمة عورتنا ـ هذا إن كان لدينا عورة وباقي إحساس في الوقت الحاضر ـ بأننا " شعوب جبانة " تؤثر السلامة ولا تستطيع مواجهة هذه الأنظمة الطاغوتية الحاكمة .. وبالتالي فقدت القدرة على التعبير عن نفسها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. كما فقدت القدرة على التغيير ، وبالتالي فقدت العون الإلهي في الخروج من الهاوية .. كما جاء في قوله تعالى :

) .. إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .. (11) (
( القرآن المجيد : الرعد {13} : 11 )

ففي مجتمعات ثقافة العار ، تكمم الأفواه ولا يستطيع الناس أن تناقش مشكلاتها الحساسة بصراحة ، وأمانة ، وموضوعية . ولذلك لا يتم احتواؤها أو حلها ..

ويقول جمال حمدان في كتابه " شخصية مصر " :

" إن سلبية المواطن الفرد إزاء الحكم جعلت الحكومة هي كل شيء في مصر ، والمواطن نفسه لا شيء ، فكانت مصر دائما هي حاكمها ، وهذا أس وأصل الطغيان الفرعوني والاستبداد الشرقي المزمن حتى اليوم .. أكثر مما هو نتيجة له . فهو بفرط الاعتدال أصبح مواطنا سلسا ذلولا ، بل رعية ومطية لينة ، لا يحسن إلا الرضوخ للحكم والحاكم ، ولا يجيد سوى نفاق السلطة والعبودية للقوة ، وما أسهل حينئذ أن يتحول من مواطن ذلول إلى عبد ذليل .. "

وقد ذم القرآن الشعوب المطيعة للجبابرة .. فلم يقصر القرآن حملته على الطغاة المتألهين وحدهم ، بل أشرك معهم أقوامهم وشعوبهم الذين اتبعوا أمرهم وساروا في ركابهم ، وأسلموا لهم أزمّتهم ، وحملهم المسئولية معهم .. ولذلك كان العقاب جماعيا للطاغية وشعبه أو قومه ..

فعندما بعث الله ( U ) هودا ( u ) في قوم عاد .. لم يستجيبوا له .. واتبعوا أوامر جبابرتهم .. كما جاء في قوله تعالى :

) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)(
( القرآن المجيد : هود {11} : 59 )

وأرجو أن يتنبه القاريء إلى كلمة " عاد " .. والتي تعني العودة إلى ما كان عليه المرء من فعل أي أن كلمة " عاد " تعني تكرارية الحدث . وهو ما يعني أن بعض المجتمعات البشرية سوف تعيد ما فعله قوم عاد .. أي سوف تتبع الجبابرة في عصيان أمر الله .. والجحود برسالاته .. فتكون النتيجة بسنن الله اللامتغيرة ، في الأمم والجماعات والأفراد ، كما جاء في قوله تعالى :

) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)(
( القرآن المجيد : هود {11} : 58 )

ولا يجوز القول ـ في الوقت الحاضر ـ بعدم وجود " النبي هود u " .. لأن القرآن المجيد " كلمة الله الخالدة " موجود بين أيدينا ( أي أن بين أيدينا جميع دروب الأنبياء والرسل ) .. وبهذا نستحق العقاب .. كما استحق قوم عاد العقاب من قبل ..

وعن نوح ( u ) .. يقول المولى ( U ) عن قومه :

) قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)(
( القرآن المجيد : نوح {71} : 21 )

وكما نرى فإن الاتباع هنا مرتبط بطغيان الثروة والسلطة ( ماله وولده ) ، وباقي القصة معروف .. فقد أغرق المولى ( U ) عصاة قوم نوح بالطوفان ..

ويقول جل شأنه عن قوم فرعون :

) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)(
( القرآن المجيد : الزخرف {43} : 54 )

أي أن الطاغوت لا يتبعه إلا القوم الفاسقون .. وماذا كانت النتيجة ..؟!

) .. فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) (
( القرآن المجيد : الزخرف {43} : 97-98 )

وهكذا ؛ حَمّل المولى ( U ) الشعوب المسئولية لأنها هي التي تصنع الفراعنة والطغاة .. ولا تسريب ـ بعد ذلك ـ في أن تقود الطغاة شعوبها إلى جهنم .. والعياذ بالله ..

إن المعركة الأولى للدعوة الإسلامية والصحوة الإسلامية والحركة الإسلامية في عصرنا هي معركة الحرية ، حتى يمكن التحرر من سيطرة فكر الطغاة ، فيجب على كل الغيورين على الإسلام أن يقفوا صفًا واحدًا للدعوة إليها ، والدفاع عنها ، فلا غنى عنها ولا بديل لها .

ويقول المستشرق الأمريكي " و. ك. سميث " ( الخبير بشؤون باكستان ) :

[ إذا أعطي المسلمون الحرية في العالم الإسلامي وعاشوا في ظل أنظمة ديمقراطية فإن الإسلام سوف ينتصر في هذه البلاد ، وبالديكتاتوريات وحدها يمكن الحيلولة بين الشعوب الإسلامية وبين دينها ]

وأخيرا ينبغي ألا يفوت على الأحزاب السياسية ضرورة التوجه بالخطاب السياسي لتوعية رجال الطاغوت وتبصيرهم بمصيرهم المشئوم .. وبالتالي التخلي عن الطاغوت .. فعن رسول الله ( r ) قال [9] :

[ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ]

فهل وعى جنود الطاغوت بأنهم باعوا آخرتهم بدنيا الطاغوت ..!!! ولا عذر لجنود الطاغية بالقول بطاعة السادة والكبراء ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولهذا يأتي قوله تعالى :

) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) (
( القرآن المجيد : الأحزاب {33} : 66 - 68 )

أي جنود الطاغوت في النار مع الطاغوت .. يقودهم إليها ..!!! وبعد تخلي رجال الطاغوت عنه .. سيظهر الطاغوت على حقيقته .. كفأر مذعور ..!!! فمثل هذه الشخصيات المختلة عقليا .. تخفي جبنها وراء قسوتها .. وتتبدى شجاعتها فقط وهي في حماية كلابها ..!!!

وأخيرا .. لم يحدث عبر التاريخ أن نال شعب حريته بالاستجداء والمناشدة . وما من حاكم عبر التاريخ ، بل وفى الدنيا كلها ، تنازل بمحض إرادته واختياره عما ملكت يداه من سلطة وسلطان . بل يجب على الشعوب التحرك لانتزاع حقوقها من هذه الطواغيت ..!!! وعندما نطالب النظام الحاكم بالحكم بالشريعة ، أو القول بالشعار السائد : الإسلام هو الحل ، فإن جوهر هذا الخطاب ـ في واقع الأمر ـ هو : الحرية والديمقراطية وتقوى الله هى الحل .

ومن المعروف حاليا أن النظم العربية القمعية الديكتاتورية تستمد شرعيتها من التأييد الخارجي للولايات المتحدة مقابل استمرار بقائها في السلطة ، وأن من مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل استمرار بقاء هذه النظم الديكتاتورية على كراسيها ، أما الضغط الأمريكي الساعي للإصلاحات الديموقراطية في المنطقة العربية ( أو العالم الإسلامي بصفة عامة ) ، فهو ادعاء كاذب لا يرقى لأن يُنظر إليه خارج المصالح المشتركة لأمريكا وإسرائيل في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي .

فالواقع ؛ أن الضغط الأمريكي الساعي للإصلاحات الديموقراطية يتم في إطار استمرار زيادة الابتزاز للأنظمة العربية القمعية . فعلى سبيل المثال ؛ يراهن المسؤولون السعوديون على البقاء في الحكم بامتثالهم لقرارات الولايات المتحدة الأمريكية ، باستيراد أسلحة فاسدة بميزانيات خيالية ( لدعم الاقتصاد الغربي ) ، والعمل على خفض سعر النفط عن طريق ضخ أكبر كمية منه تحت دعوى " الحفاظ على مصالح دول العالم " ـ كما يقول بهذا الإعلام السعودي ـ وأيضاً التوسع في البنية التحتية لزيـادة إنتاج النفط لاستمرار تدفق النفط الرخيص في المستقبل ..!!!

فمصالح الولايات المتحدة تعني عَصْر الأنظمة الديكتاتورية لآخر ريال ، وآخر قطرة نفط ، وآخر قرار سياسي في صالح وجود إسرائيل وصهينة المنطقة العربية وهيمنة الغرب عليها ثم لتذهب بعد هذا الأنظمة العربية ـ آل سعود أو غيرها ـ إلى الجحيم ..!!!


· الطريق إلى الفناء ..

لقد شكلت الثروة النفطية في البلاد العربية مئات المليارات من الدولارات ، لكن وبكل أسف قامت الأنظمة الحاكمة بتبديد هذه الثروات ـ كما يقول المراقبون ـ بين السفه في الإنفاق والبذخ الذي لا يتصوره عقل ، وبين الإنفاق على الحروب وصفقات السلاح الفاسد . فعلى سبيل المثال ؛ قامت الأنظمة الحاكمة العربية بأنفاق حوالي 300 بليون دولار في العشر سنوات الأخيرة ( 1996-2005 م ) على صفقات السلاح الفاسد .. وأكرر " صفقات السلاح الفاسد " وهو السلاح الذي لا يعمل إلا في حالة قيام حروب بين المسلمين بعضهم وبعض .. كما سبق وأن بينت كيفية تنفيذ ذلك في نظم الأسلحة الحديثة في مرجعي السابق : " الإسلام والغرب .. المواجهة والحل " ..!!!

كما قامت الأنظمة العربية الحاكمة بنهب ثروات هذه البلاد [10] بعد أن تغلبت على الشعوب المقهورة والمغلوبة على أمرها ..!!! وعلى الرغم من الثراء الفاحش في السعودية ودول الخليج ، فإن تقرير مجلة البحوث الأمنية الصادرة عن مركز البحوث والدراسات في كلية الملك فهد الأمنية في الرياض في السعودية ، الذي نشر في نهاية أبريل 2005 م ، جاء فيه أن عدد الأطفال المتسولين في السعودية بلغ ثمانين ألف ، 69% منهم من السعوديين ..!!! وهكذا ؛ الحاكم في النظم العربية يتحرك وهو يعلم بأنه يملك الأرض وما عليها من ثروات .. كما يملك من عليها من ناس لا قيمة لحياتهم ولا حقوق لهم ..!!!

وفي مقابل بذخ الأنظمة الحاكمة في الإنفاق الذي لا يتصوره عقل ( أنظر مقال الكاتب السابقة : الحرب أو التنصر أو اعتناق الإسلام / سيناريو المواجهة مع الغرب ) ، نجد الشعب الفلسطيني الشقيق يتضور جوعا في ظل حكومة حماس المنتخبة ( وقت صدور هذه الطبعة ) .. فهو يعيش على : " الزعتر والدقة .. كما يقول بهذا اسماعيل هنية رئيس وزراء حماس ..!!! بينما سعر برميل النفط تجاوز السبعين دولار ( أسعار عام 2006 م ) ، كما تجاوز سعر البرميل الـ ( 120 ) دولارا في عام 2008 [11] ..!!! وعلى حسب بعض الدراسات لو أن كل دولة عربية أنفقت ربع دولار فقط من البرميل على حكومة حماس لحصدت حكومة حماس 2 مليار كل شهر بحيث تقضي على هذه المجاعة .. وتواجه إسرائيل وهي على أرض صلبة .. ولكن هي المؤامرة المعلنة من الأنظمة الحاكمة على الشعب الفلسطيني لصالح العدو الإسرائيلي ..!!!

والمعروف ـ عن تقرير لمجلة نيويوركر الأمريكية ـ أن الأجهزة الأمريكية تقوم بتسليم بعض المعتقلين لديها في سجن جوانتانامو إلى عدد من الحكومات العربية ( مصر / الأردن / سوريا / تونس ) بهدف استخدام أساليب التعذيب والقهر لديها لانتزاع اعترافات المعتقلين ، وتمثل هذه فضيحة مركبة تكشف عن مدى تبعية تلك الحكومات لأمريكا ، وكأنها أحد أجهزتها السرية ، كما تكشف أيضًا عن المستوى اللا أخلاقي الذي تدنت إليه هذه الحكومات ..!!!

ونأتي إلى مهزلة قيام الحكام العرب بوضع معظم هذه الثروات المنهوبة من الشعوب العربية المقهورة في بنوك الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ولا تستثمرها في مجال التكنولوجيا العربية ، حيث تقوم الأخيرة بإقراضها إلى الدول النامية لتصنع بها ـ أي بأموال العرب ـ أزمة الديون العالمية ..!!!

وتشير صحيفة " إنتر ناشيونال هيرالد تريبيون " في تقرير نشرته في منتصف يناير 2006 م ، أن المستفيد الأول من طفرات أسعار النفط [11] هي الولايات المتحدة الأميركية ، وأن هذه الطفرات هي التي تنعش الاقتصاد الأميركي . وقد أشار تقرير لصندوق النقد الدولي ( نشر في بداية أكتوبر 2005 م ) أن عائدات النفط العربية في العام 2005 م وصلت إلى أربعمائة خمسة وسبعون مليار دولار..!!! وأشارت صحيفة إنتر ناشيونال هيرالد تريبيون في نفس التقرير السابق إلى وجود أكثر من 67 مليار دولار في سندات الخزينة الأميركية تعتمد على الطفرة الثانية في أسعار نفط الدول العربية . وهكذا ؛ يذهب خير طفرات أسعار النفط العربي للولايات المتحدة الأمريكية بينما تلعق الشعوب أصابعها بالفتات .. ولا تقوم الأنظمة الحاكمة باستثمار هذه الأموال في المنطقة العربية لصالح هذه الشعوب المعدمة ..!!!

والمعلوم ـ في الوقت الحاضر ـ أن بعض الدول الخليجية تقوم بتفريغ العمالة العربية تمهيدا لمجيء أجانب ذوي بشرة بيضاء وعيون زرقاء من بلدان غير عربية ، والنتيجة بعد بضع سنوات أن ثقافة ودين وحضارة هذه المنطقة وهويتها سوف تنتهي ..!!!

ويوجد ضغوط كبيرة ـ في الوقت الحالي ـ من قبل الدول الغربية على " الأمم المتحدة " لإصدار قانون يقضي بأن كل من يسكن المنطقة العربية لمدة أربعة أو خمسة سنوات أن يكون مواطنا عربيا .. ويجب أن يكون له حق التصويت ..!!! فإذا علمنا أن بعض البلدان الخليجية تصل العمالة الأجنبية ـ غير العربية ـ فيها أحيانا إلى 70 % أو80 % ، فإن هؤلاء غدا سوف يكونون كتلة متفجرة في وجه هذه المنطقة بكاملها . وأكثر من ذلك ؛ فمن المحتمل أن تأتي أساطيل هذه البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء القوم إلى الخليج لتدافع عن حقوقهم .. فهؤلاء كانوا مواطنين عندهم ، وجاءت الأساطيل ـ تحت ذريعة ـ الدفاع عن حقوقهم في المنطقة العربية .. لتنتهي ملكية المنطقة إلى الأجانب ..!!! وهكذا تقود الأنظمة العربية شعوب المنطقة ـ بخطا متسارعة ـ نحو التخلف والفناء ..!!!

ولا عجب في هذا ؛ فقد يسلم هؤلاء القوم الجدد ويحسن إسلامهم .. ويصدق عليهم وعلينا قوله تعالى ..

) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) (
( القرآن المجيد : فاطر {35} : 16 - 17 )


وإلى حديث آخر إن شاء الله تعالى ..

موقع الكاتب على الإنترنت :
www.truth-4u.com
أو الموقع التبادلي www.truth-2u.com


****************

هوامش المقالة :

[1] أصدر مرجعا شيعيا عراقيا ( في يناير 2005 ) فتوى دينية بإهدار دم كل من مارس التعذيب من أعضاء حزب البعث العراقي . وطالما أن الفتوى دينية ـ وليست سياسية ـ فلا يصح أن يهدر دم البعثي الذي قام بالتعذيب ، بينما يعفى من العقاب أي فرد آخر ينتمي إلى تنظيم حزبي آخر . فالفتوى الدينية عامة تشمل كل من قام بالتعذيب . ويرى البعض بضرورة تعميم هذه الفتوى – وإن كان بصورة أقل- ضد كل من يزور الانتخابات أو يكذب على الأمة .

[2] يقول محمد نجيب في مذكراته : " كنت رئيسا لمصر " ( ص 203 ) : ترك أحد الضباط الأحرار شقته المتواضعة واستولى على قصر من قصور الأمراء في جاردن سيتي ، حتى يكون قريبا من إحدى الأميرات التي كان قصرها قريبا من ذلك القصر الذي استولى عليه .. وكان لا يتورع أن يهجم على قصرها بعد منتصف الليل وهو في حالة شبه إغماء بسبب الخمر ..!!! وكثيرا ما طلبتني الأميرة في الفجر لانقاذها من ذلك الضابط ، الذي تصور على حد تعبيرها أنه ملك جديد ..!!! وعندما حاولت أن أثنيه عما يفعل .. قال : اننا نسترد جزءا مما دفعناه لسنوات طويلة ( وهو ما يعني ـ من وجهة نظر هذا الطاغوت الغبي ـ أن على الحكام السابقين تسديد الديون له شخصيا وليس للشعب ) ..!!! ويضيف محمد نجيب ( ص 207 ) " لقد سرق بعض الضباط الأحرار فلوس معونة الشتاء ، وسرقوا هدايا وبضائع قطارات الرحمة وباعوها علنا ، وسرقوا فلوس التبرعات الخاصة بالشئون الاجتماعية ، وسرقوا تحف ومجوهرات القصور الملكية .. " .. فهؤلاء هم ضباط مصر الأحرار .. أبطال ثورة يوليو 1952 ..!!!

[3] الراوي: معاوية بن أبي سفيان - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم : 3615 . رقم الحديث : 71223 .

[4] ( إن في جهنم واديا .. ) رواه الطبراني بإسناد حسن كما قال المنذري في الترغيب ، والهيثمي في : المجمع 5 /197 والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 4 /332 .

[5] الراوي : عبدالله بن عمر - خلاصة الدرجة : [ إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما ] - المحدث : المنذري - المصدر : الترغيب والترهيب - الصفحة أو الرقم : 3/234 . حديث رقم : 202887 .

[6] الراوي : جابر بن عبدالله - خلاصة الدرجة : صحيح - المحدث : ابن حجر العسقلاني - المصدر : الأمالي المطلقة - الصفحة أو الرقم : 213 . رقم الحديث : 33866 .

[7] الراوي : أبو موسى - خلاصة الدرجة : رجاله رجال الصحيح - المحدث : الهيثمي - المصدر : مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم : 7/272 . حديث رقم : 235574 .

[8] الراوي : أبو هريرة و عمر بن الخطاب - المصدر: تخريج الإحياء - الصفحة أو الرقم : 2/379 . حديث رقم : 60530 .

[9] رواه أبي إمامة . ابن ماجه ـ كتاب الفتن ، حديث رقم 3956 .

[10] يبلغ احتياطي النفط العالمي أكثر من تريليون برميل تمتلك دول الخليج وإيران 60% منه ، فالمملكة العربية السعودية وحدها تمتلك 25% من الاحتياطي العالمي ، ويمتلك العراق 11% ، بينما الكويت 10% ، والإمارات 10% ، وإيران 12% من الاحتياطي العالمي . وفي مراجع أخرى ؛ تحتفظ بلدان الخليج والسعودية بحوالي 53 في المائة من احتياطيات العالم المعروفة من النفط ، وتنتج أكثر من ثلث الإنتاج العالمي اليومي . فالمملكة العربية السعودية تحتل المرتبة الأولى ، باحتياطي قدره ( 261 مليار ) برميل ، تليها الإمارات العربية المتحدة ( 98 مليارا ) والكويت ( 96.5 مليار ) . كما تحتفظ بلدان الخليج بـ 14 في المائة من الاحتياطيات العالمية من البترول ، وتعتبر غنية أيضاً بالغاز الطبيعي ، إذ تحتفظ قطر وحـدها بثالث أكبر الاحتياطيات في العالم .

[11] عند مراجعة مراحل تطور أسعار النفط في الفترة من 1948 إلى 1973 نجدها تراوحت بين 2 إلى 3 دولار للبرميل ، ولم تبدأ بالتغير إلا مع بداية حرب أكتوبر 1972 م ، فقد قفز سعر البرميل من 2 دولار إلى 7 دولار نتيجة استخدام النفط سلاح اقتصادي وهي ما تسمى بالطفرة أو الصدمة النفطية الأولى .

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في عام 1980 ارتفعت الأسعار إلى 35 دولار للبرميل ثم تراجعت بعدها إلى أن استقرت الأسعار عند مستوى 16 دولار للبرميل ، وبعد اشتعال حرب الخليج الثانية ( حرب تحرير الكويت 1991م ) ارتفعت عند مستوى 24 دولار ثم تراجعت بمجرد تحرير الكويت واستقرت عند مستوى 13-15 دولار للبرميل . ثم بدأت الأسعار في الارتفاع بعد عام 1999 نتيجة أسباب اقتصادية وجيوسياسية وفنية وبيئية حتى وصلت إلى مستوى 70 دولار للبرميل في نهاية صيف 2005 م . وهو ما يعرف بالطفرة النفطية الثانية .

أما الطفرة الثالثة .. فحدثت في أبريل 2008 ( على خلفية : قوة النمو في الأسواق الصاعدة ، ولا سيما في الصين والشرق الأوسط ) حيث قفز سعر النفط إلى قمة جديدة عند 123 دولار للبرميل ، باعثا موجة من المخاوف والتوقعات من أن تصل أسعار النفط حاجز الـ 200 دولار للبرميل ، بعد تقرير توقع ذلك السعر في غضون عامين .